علم نفس تطوري

لماذا نضحك؟

كان الولد يركض باتجاه والده إلا أن الأرض كانت زلقة بسبب تراكم الجليد. قال الأب لأبنه “كن حذراً ولا تركض لأنك سوف تتزحلق و تسقط على الأرض” لكن الولد لم يسمع نصيحة أباه و تابع الركض إلى أن وصل لعند أباه وقال له “هل شاهدت كيف أنني ركضت على الجليد و لم أتزحلق؟” وفور انتهاء هذه الجملة تزحلق الطفل بشكل مضحك. لم يتمالك الأب نفسه و بدأ بالضحك على هذا الموقف لكن الطفل ذو ال8 سنوات بدأ في البكاء.

ما الذي جعل الأب يضحك على ابنه و لماذا لم يجد الأبن هذا الموقف مضحكاً؟


نحن نضحك 20 مرة في اليوم ولأسباب مختلفة ما هي هذه الأسباب؟ ما هو الضحك و ما هي فوائده؟ سأحاول الاجابة عن هذه الأسئلة وتحليل الضحك عند الإنسان من الناحية العلمية.

تاريخ الضحك من خلال نظرية التطور:
إذا أردنا تحليل الضحك من منظور تطوري سنجد ان فصائل الشمبانزي الثلاث (الإنسان و الشيمبانزي والأورانغوتان) لديها خاصية الضحك. مما يدل على أن الضحك هي خاصية تطورية مشتركة بين عائلة القرود العظيمة فصيل الإنسانيات وهي موروثة من جد مشترك قبل حوالي 14 مليون سنة.
ضمن بحوث نظرية التطور، عادة ما يتم ذكر أن الذكاء و النطق هما من أهم الخاصيات التي تمييز الإنسان عن بقية الحيوانات. هذا صحيح من الناحية التوصيفية للإنسان بالمقارنة مع بقية الحيوانات إلا أن الإنسان لم يكن ذكي و قادر على النطق في البداية و لا بد من وجود عامل سبب هذا التطور المغاير لبقية فصائل القرود الكبيرة. لن أدخل في تفاصيل العوامل الطبيعية التي أدت إلى تطور الإنسان إلا أن العامل الرئيسي للتطور الإنسان هو الوقوف على قدمين “Bipedal”

الوقوف على قدمين من أساسيات تطور الجهاز التنفسي للانسان وبالتالي السبب في تطور الحنجرة و النطق. هذه المعلومة مهمة لأنها تفسر لنا لماذا يضحك الإنسان باستخدام الحنجرة بينما يضحك الشيمبانزي والأورانغوتان من الأحشاء. الضحك هو فعل لا ارادي متعلق بالجهاز التنفسي إذ يطلق الكائن زفير متقطع بنسب متفاوته مع اصدار صوت محدد يستطيع تمييزه بقية أعضاء فصيله على أنه ضحك.

يختلف الضحك بين الإنسان و بقية القرود إذا أن الإنسان يطلق الزفير من منطقة الحنجرة و هو شبيه بألية النطق لذلك لا يستطيع الإنسان الضحك و الكلام في نفس الوقت. أما الشيمبانزي والأورانغوتان فهما يطلقا الأصوات من منطقة الأحشاء. وقوف الإنسان على قدمين مقارنة مع بقية القرود العظيمة مكنه من تطوير خاصية النطق والضحك و ذلك بسبب زوال الضغط عن الرئتين الناتج عن استخدام الاطراف العلوية. مثلاً الحصان لا يستطيع التنفس أثناء العدو إذ أن ارتطام اطرافه الأمامية على الأرض يضع ضغط هائل على الرئتين. هذه الظاهرة مهمة جداً في تفسير تفوق الإنسان من الناحية اللغوية و هي أيضاً مهمة في تفسير اختلاف الخصائص البيولوجية للضحك.

عملية الضحك مفيدة جداً لجسم الإنسان إذ أنها تقلل من نسبة الهرمونات المسببة للضغط النفسي و تفرز هرمونات منشطة للجسم و مفيدة لجهاز المناعة (هرمون الاندورفين). تشيرالفحوص المخبرية على أن اثار الذروة من الضحك تبقى في الجسم لمدة تقارب ال45 دقيقة. هذه الأثار تحفز العمل الدماغي بشكل أفضل و أكثر فعالية.
إذاً الضحك عند الإنسان هو فعل لا إرادي ينتج عن حالة ذهنية معينة تٌحفّذ عملية زفير متقطع “ههههه”. الضحك يؤثر على 18 من عضلات الوجه و في بعض الأحيان يسبب افرازات دمعية.

من شروط الضحك عند الإنسان أن يأتي في نهاية الجمل الصوتية بسبب عدم امكانية النطق والضحك بنفس الوقت. مثلاً لن نجد جملة “وقع أبو ههههههه العبد” لأن هذا يعتبر مستحيل من الناحية البيولوجية بسبب محدودية القدرة على التحكم في الحنجرة اثناء الضحك. فيما يتعلق بانواع الأصوات المتعلقة بالضحك الطبيعي فلها أنوع مختلفة مثل “هاهاهاها” أو “هي هي هي هي” أو “هوهوهو” لكننا لن نجد ضحك يخلط بين هذه الأنواع مثل “هي ها ها ها ها هو هو” لأن العملية هي عملية زفير واحد متقطعة التردد.

الناحية الاجتماعية للضحك هي الأهم إذ أننا نضحك 30 مرة أكثر بوجود أشخاص أخرين معنا مما يدل على أن الضحك هو وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي. الضحك مربوط بخليا عصبية خصوصية تتحفذ بشكل مباشر في حال رصد حالة ضحك آخرى مما يجعل الضحك معدي. في اغلب الأحيان نحن لا نضحك بسبب موقف فكاهي و إنما بسبب ردة فعل عصبية دماغية عند سماع صوت الضحك.
(انظر فيديو Top 10 clips of children laughing times magnificence)

ما هي الغاية من الضحك من منظور التطور ؟

فرضية الضحك البدائي:

القرود هي حيوانات اجتماعية تعيش ضمن مجموعات تنظمها قوانين غريزية لضمان الترابط ضمن المجموعة. نحن نعلم أن القرود تعمل على تبادل الأدوار في تنظيف أنفسها و يتخلل عملية التنظيف اللمس قي مناطق قد تكون حساسة. ولأن القرود حيوانات اجتماعية غير قادرة على العيش بشكل فردي لابد من الناحية التطورية من وجود أليات تواصل تعمل على طمئنة أفراد المجموعة. الضحك هي عبارة عن ألية تواصل بين هذه الحيوانات مفادها أن “على الرغم من تصرفك قد يبدو عدائي اتجاهي إلا أنني أعرف أننا نلعب”
عملية التواصل في المجموعات الاجتماعية مهمة جداً في تماسك المجموعة لكي يعرف جميع الأطراف أن ما يجري هي عملية ودية و ليست عدائية.
انظر فيديو (Foxie and Jamie Laughing)

على سبيل المثال:
إذا أراد احد القرود اللعب أو التقرب من قرد آخر فإن القرد المتلقي لا يعرف ما هي نوايا القرد الاول. هل هي نوايا عدائية أم انه فعلاً يريد اللعب؟ اللعب شيئ محبذ بين الحيوانات لكن يجب استحضار طريقة لإعلان هذه النوايا. من هنا أتطرق لموضوع الدغدغة و التي توضح لنا هذه الخاصية بشكل أوضح.
الدغدغة هي عمل عدائي اتجاه الشخص إلا أن هذا العمل العدائي ليس بقصد الأذى و إنما اللعب. لهذا نحن نضحك في حال الدغدغة بشكل لا ارادي و في بعض الاحيان نكره الدغدغة لكننا نواصل الضحك، لماذا؟ لأن الضحك هنا عبارة عن ألية تواصل تقول للطرف الآخر “أنا أفهم أنك لا تريد أن تؤذيني وأنا بدوري لن أؤذيك”. لهذا السبب نحن لا نضحك في حال دغدغنا أنفسنا لأننا نعلم مسبقاً أننا لا ننوي إذئ أنفسنا. كما أننا نعلم أيضاً أنها فكرة سيئة جداً أن نبادر بدغدغة أشخاص غرباء لا نعرفهم لأنهم لا يعلمون نيتنا الحقيقة و لن يبادرو بالضحك إذا قمنا بدغدغتهم على العكس قد يتصدون لنا بشكل عدائي.

إذاً:
1. الضحك هو فعل تواصل لا ارادي يرمز إلى نوايا سلمية اتجاه الآخرين
2. جميع القرود العائدة لفصيل الشيمبانزي عندها خاصية الضحك عند الدغدغة
3. فقط الإنسان عنده مفهوم “الفكاهة” سأتحدث عنه ضمن المنشور
4. الضحك مربوط بخصائص دماغية تجعله معدي ضمن المجموعة 
5. للضحك فوائد بيولوجية تجعله محبذ و مرتبط مع قسم المكافئة في الدماغ (كرر هذا)

قبل انهاء هذه الفقرة اريد التنويه أن الجرذان و الكلاب يضحكون ايضاً في حالة الدغدغة. ضمن التجارب العلمية عن “علم الضحك” تم تسجيل الذبذبات الصوتية لضحك الكلاب و ثم تكرارها عبر جهاز المسجل فتصرفت الكلاب على أساس أنه حان وقت اللعب و فعلاً بدأت تلعب مع بعضها البعض مما يدعم الفرضية التي تقول ان الضحك بشكله البدائي يعني إعلان نوايا سلمية اتجاه الآخرين وعلامة لتغذية رجعية ايجابية على الجسم. انظر (?do dogs laugh)

الضحك و المضحك عند الإنسان:

إذا طلبت منك أن تضحك لن تستطيع أن تجبر نفسك على الضحك لأنه فعل لا ارادي. الإنسان كائن اجتماعي يعيش ضمن جماعات و الضحك يعتبر من الحوافذ الاجابية في المجموعة. في أغلب الأحيان التي نضحك بها تكون ردة فعل لا ارادية لسماع صوت الضحك و ليس لأننا واجهنا موقف مضحك. تستطيع تجربة هذا الادعاء عبر مشاهدت (Top 10 clips of children laughing times magnificence) ضمن الروابط المرفقة مع المراجع و ستكتشف أنك لا بد أن تبتسم أو تضحك كردة فعل لا ارادية.

إذاً الصحك معدي و لهذا في المسلسلات الكوميدية يتقصدون اضافة أصوات للضحك بعد كل نكته لتحفيذنا على الضحك. نحن نعلم أن الضحك هو فعل لا ارادي لكن إذا طلبنا من شخصين أن ينظروا إلى وجوه بعضهم ثم أن يحاولوا الضحك فهم يستطيعون ذلك بحجة أن ذاك الشخص مضحك. لكن السبب الأساسي يعود لجذورالضحك الاجتماعية.

الفكاهة و الضحك عند الإنسان

من الضروري التذكير بأن التوصيف السابق لغريزة الضحك يفسر الجذور البدائية للضحك و حين نقيم الضحك عند الإنسان فإن هذه الخاصية قد تطورت و أخذت أبعاداً آخرى إلا أنها مازالت ضمن ايطار الغريزة الأساسية عند القرود العظمى فصيل الشيمبانزي.

ما هي الفكاهة:
هل سبق لك و سألت نفسك لماذا أجد هذا الموقف مضحك؟ ما هي شروط 
الفكاهة؟

من أهم شروط الفكاهة هو خلق صورة ذهنية عند الشخص تكون مبنية على حقائق منطقية واقعية لكن في سياق الصورة يتم مخالفة المنطق بشكل مفاجئ. شرط أن تكون هذه الصورة الذهنية لا تشكل أذية عميقة للشخص الفاعل ضمن الصورة الذهنية وأن يكون زمان و مكان الفعل المضحك بعيدين نسبياً عن الشخص المتخيل للصورة الذهنية.
لنحلل هذا التعريف:
الصورة الذهنية هي مجرد فكرة، هذه الفكرة لكي تصبح مضحكة يجب أن تكون مبنية على عدة عوامل:
– المنطق والواقع بالنسبة للشخص
– عنصر مفاجئ غير متوقع يخالف السياق المنطقي للأحداث.
– مكان و زمان وانا بعيدين عن الأثار النفسية للحادث.

لنعود لبداية المقال و قصة الأب و أبنه الذي سقط على الجليد.

لماذا وجد الأب هذا الموقف مضحك؟ 
هرولة الولد و ووصوله لعند الأب ثم سقوط الطفل مباشرة بعد قوله “وصلت دون أن أقع” فيه جميع الشروط التي تجعل من هذا الموقف موقف مضحك بالنسبة للأب. المنطق يقول أن خطر الانزلاق هو أثناء الركض و ليس بعد الوصول و الوقوف. سقوط الطفل بهذا الشكل يعتبر مخالف لتوقعات الأب و مخالف للمنطق. أيضاً يستطيع الأب بشكل مباشر تققيم انزلاق الطفل بأنه لم يكن مؤذي و هذا يقدم له بعد نفسي عن الحادث. الحادث لم يؤثر على الأب بشكل سلبي وهو يعلم أن طفله سيكون على مايرام بعد عدة ثوان.

الطفل لم يجد الموقف مضحك لأنه المتأثر بشكل مباشر و تم التأثير على المكان و الزمان و الأنا العائدين لديه. في حال بعد الزمان قليلاً و ذكرنا الطفل بالحادثة بعد فترة من الزمن فإنه سيجدها مضحكة أيضاً. لهذا السبب نجد أننا في بعض المواقف لا نعتقد أن ما يجري مضحك لكن مع بعد مرور الزمن على الحادثة تصبح التجربة مضحكة.

الأب لم يستطع كبت ضحكته لأن الضحك فعل لا ارادي.

هذا البحث كبير جداً و لا يوجد العديد من البحوث والمراجع العلمية التي تقييم عملية الضحك من الناحية النفسية. في المحصلة أريد أن أقول أننا نضحك كل يوم دون أن نتوقف عند هذه الظاهرة الغريبة نوعاً ما. هي مجرد اطلاق أصوات “ههههههههه” بسبب صورة ذهنية معينة. لطالما أذهلتني هذه الظاهرة و هذه المقالة هي محاولة متواضعة مني في تلخيصها. أرجو أن تكون قد نالت على اعجابكم.

أرجو أن تطلق هذه المقالة نقاش علمي حول الموضوع.

[divider]

المراجع و المصادر:
http://news.bbc.co.uk/2/hi/science/nature/8083230.stm
http://cdp.sagepub.com/content/9/6/183
Rats laughing
http://www.youtube.com/watch?v=M_oKQ9Dzitc
dogs laughing
http://www.youtube.com/watch?v=nIj4WAP6BaI

مصطفى عابدين

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم ويسعى إلى تبسيطها ونشرها.

تعليق واحد

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • أشكراً جزييييلاً ، أسأل الله أن يوفق للمزيد وأتمنى من الطبيعة أو القوانين الفيزيائية أو الصدفة أو أيما كان ماتؤمن به أن يساعدك على المزيد
    وإني لأعجب من عطائك رغم أنك لا تجد التشجيع الكافي…
    – لدي ملاحظة تتمثل في وجود الكثير من الصور الذهنية التي تحقق شروط الفكاهة إلا أنها لا تُضحك البتة ، ماقولك في هذا ؟