علم نفس تطوري

لماذا الكذب؟

تنويه: هذا المقال قديم بعض الشيئ و يحتاج بعض التعديلات المنهجية

  ما هو الكذب؟

الكذب هو عملية تواصل تهدف إلى نقل معلومات مغلوطة بشكل إرادي من طرف إلى آخر بهدف مردود إجابي أو تذليل مردود سلبي.
الخداع والكذب تعتبر من أهم استراتجيات البقاء في الطبيعة. على سبيل المثال صغار الثدييات  عليهم البكاء أو اصدار الأصوات  للإيحاء بأنهم بحاجة للطعام بشكل مبالغ فيه لكي يحصلوا على أكبر كمية ممكنة من الموارد الغذائية. طفل الإنسان يبكي غريزياً في حال كان جائع و هو يبالغ في البكاء لكي تستجيب والدته له بشكل أسرع إذ أن الأم تخشى من استقطاب كائنات مفترسة لمكان تواجدها بسبب الأصوات التي يصدرها الصغير.
الأطفال الذين ليس عندهم خاصية الكذب أو لا يمارسوا المبالغة في البكاء لم يحصلوا على الغذاء الكاف بالمقارنة مع الأطفال الذين يكذبون و يبالغون و لهذا جميع الأطفال الذين لا يكذبون انقرضوا من المجمع الجيني.

 الحيوانات التي لا تموه تحركاتها يتم اصطيادها و الكائنات التي لا تستطيع أن ترصد عملية الكذب و التمويه تواجه خطر الانقراض بسبب عدم قدرتها على الصيد بشكل فعال.

النتيجة هي أن الكذب هو جزء أساسي من عملية التواصل بين الكائنات الحية. الحيونات التي تجيد الكذب تستطيع أن تؤمن موارد أكثر و تحمي أنفسها من الافتراس.

الكذب عند الانسان:

الانسان كبقية الكائنات الحية يكذب بهدف الدفاع أو تحسين الفرص المتاحة له. أيضاً، الانسان حيوان اجتماعي يعيش ضمن مجموعات و هذا يعني أن عملية الكذب تتطور و تأخذ منحى (سباق تسلح). على الانسان تطوير قدرته على الكذب و أيضاً على رصد الكذب. إذاً التوصيف الصحيح للكذب هو أنه ألية غريزية ضرورية بغض النظر كيف نقيمها أخلاقياً. نحن كائنات كاذبة و سنبقى كذلك مادمنا نثمن البقاء على قيد الحياة.

مفاهيم و نظريات:

الوعي: هو حالة الكائن في ادراكه لحواسه مجتمعةً و لا يمكن قياس الوعي أو توصيف الوعي إلا من قبل نفس الكائن. هذا يعني أننا غير قادرين على توصيف حالة الوعي الحاصلة في عقول الآخرين و نستطيع فقط ادراك حالة الوعي الخاصة بنا.

الفطرة الإنسانية: الغريزة الانسانية الناتجة عن ملايين السنين من التطور في سبيل البقاء.

الخداع: التلاعب في عملية التواصل لتحقيق مكاسب ايجابية أو تذليل عواقب سلبية دون شرط الإدراك و الإاردة في الخداع.

الكذب: التلاعب في عملية التواصل بهدف تحقيق مكاسب ايجابية أو تذليل عواقب سلبية ضمن ادراك واضح أن الطرف الآخر يتوقع تواصل صادق و من خلال ارادة على الكذب.

التواصل: ولا يقتصر على اللغة.

النظريات التي يتوجب البحث فيها خارج هذا المقال:

– نظرية العقل
– نظريات علم النفس التطوري
– نظرية الاستثمار الأبوي فيما يتعلق بالاطفال 
– نظرية صراع الأباء مع الأبناء 
– نظرية الاستثمار الجيني

الكذب من منظور تطوري:

الحياة منذ انقسام الخلية الأولى مبنية على مبدأ التنافس و الصراع على الموارد. الكائنات القادرة على التأقلم مع المتغيرات الطبيعية هي الكائنات التي استطاعت الاستمرار و البقاء إلى يومنا هذا.

بسبب محدودية الموارد تجد الكائنات نفسها مجبرة في الابتعاد عن بعضها جغرافياً للحصول على موادر دون منافسة و مع الوقت و بسبب تلاقح مجموعة (أ) بعيداً عن مجموعة (ب) تنتج طفرات جينية تجعل هذه الكائنات تحتلف جينياً لدرحة لا تستطيع التكاثر مع المجموعة الأصلية فنقول حينها أن نوع جديد قد تطور مع الوقت تطورت ملايين الأنواع المختلفة من الكائنات و جميعها يعمل ضمن نفس الهدف التكاثر و البقاء.

من أهم عوامل التكاثر و البقاء هو القدرة على الصيد و تفادي الإفتراس من هذه النقطة سأتطرق إلى نقطة سباق التسلح باسهاب شديد.  في التطور يوجد ميزان اقتصادي يحكم و يدير كيفية صرف الموارد على تطور الأعضاء. مثلاً تطوير عضلات السواعد يأخذ موارد غذائية من تطوير حاسة البصر و حاسة البصر تأخذ موارد من تطوير حاسة السمع و حاسة السمع تأخذ موارد من تطوير حاسة الشم و هكذا…

يتم صرف الموارد على الأعضاء التي تساهم أكثر في بقاء الحيوان عن طريق الحصول على أكبر عدد من الموارد و تحقيق هدف التكاثر. على سببيل المثال الغزال يصرف جزء كبير من موارده على عضلات السواعد لكي يستطيع الركض بسرعة أكبر لان عدوه الأساسي في الطبيعة “الفهد” أيضاً
يصرف موارده على السرعة.

الوطواط يصرف  موارده على تطوير جهازه الراداري على حساب حاسة البصر (على خلاف ماهو شائع الوطواط لديه حاسة بصرية لكنه يعتمد أكثر على الرادار) التي ليست مهمة جداً لبقائه بسبب تنافسه ضمن بيئة مظلمة (الكهوف). النسر يصرف موارده على تطوير حاسة البصر بسبب ارتفاعه الشاهق و قدرة طرائده على الاختباء و التمويه. يجب أن لا يتم فهم سياق الكلام على أن عملية التطور هي عملية ارادية تخطيطية و يتوجب فهم نظرية التطور عبر الانتقاء الطبيعي بشكل جيد لفهم نقطة سباق التسلح.

بعض الأمثلة عن سباق التسلح:

– الحمار الوحشي مخطط ليس بهدف الزينة و إنما لهدف التمويه و جعل عملية تحديد فرد وحيد من القطيع عملية صعبة أثناء المطاردة
– الطيور لديها قدرة بصرية قوية جداً لكن في المقابل الحشرات التي تصطادها تبدو كأوراق الاشجار
– الانسان لا يستطيع الركض بسرعة لكنه يستطيع الركض لمدة طويلة و يستطيع التواصل و العمل ضمن فريق حتى تتعب الفريسة

هذه الأمثلة تهدف إلى ترسيخ فكرة أن الكائنات تطور وظائف و خاصيات تمكنها من تحسين ظروفها على البقاء. الكذب و الخداع من أهم هذه الخاصيات البقائية. الكائنات الحية لا تكترث إذا كان الخداع و الكذب لأسباب نبيلة أم أسباب شريرة فهي بالنهاية تنفذ استراتيجيات مكنتها من التطور عبر ملايين السنين و مكنها من البقاء على قيد الحياة.

التواصل جزء أساسي من التعاملات القائمة بين الأحياء يعض هذا التواصل يكون في غاية استلطاف شريك من أجل التكاثر أو تنبيه أفراد المجموعة من خطر محدق أو تخويف كائن منافس و ردعه عن الخوض في صراع قد يكون مكلف للطرفين.

التواصل المخادع جزء أساسي من الأسلحة التي طورتها الكائنات الحية لزيادة فرصها في البقاء.

أود أن أذكر مثال عن الكذب عند بعض الطيور حيث يغرد أحد الطيور لأفراد السرب بندأ الإغاثة و الذي يحمل معنى يوجد حيوان مفترس قادم نحو السرب. النتيجة أن أفراد السرب  تهرب كنتيجة غريزية للبقاء و الهرب من الافتراس و يبقى الطائر الكاذب و يسرق الطعام.

(أرجو النظر لنظرية استراتيجيات الاستقرار ضمن المجموعة أو evolution stable strategy) . القرود تقوم بمثل هذا النوع من الخداع ايضاً إلا أنها تعاقب السارق فيما بعد لأنها طورت مفاهيم تتعلق بالعدالة ضمن المجموعة.

طائر الكوكو:

أنثى طائر الكوكو تضع بيوضها في عش طائر مختلف و تغادر. بيوض الكوكو شكلها مشابه لبيوض الطائر المضيف و لذلك تحضن الانثى المضيفة بيوض الكوكو إلى ان تفقص. تفقص بيوض الكوكو قبل بيوض الطائر المضيف (الوابلير) و حال خروج صوص الكوكو يقوم برمي جميع البيوض الموجودة في العش إلى خارج العش لكي لا تميز الأم المضيفة أن صوص الكوكو ليس ابنها. تقوم الأم المضيفة بالعناية بصوص الكوكو إلى أن ينضج و يستطيع مغادرة العش. (انظر المراجع)

الإنسان:

الكثير من الاخوة يتقبل نظرية التطور من الناحية العلمية على أساس أنها مثبتة علمياً و لا جدوى من انكارها لكن يفشل في تحليل تصرفات الإنسان عبر هذه النظرية. الإنسان لم يتطور من القرود و إنما هو نوع من أنواع القرود (Hominid Species ) لكنه يتيميز عن بقية الحيوانات بعدة خواص لن ادخل بها هنا لأنها محور بحث منفصل. هذه النقطة مهمة جداً لفهم الكثير من الغرائز و الخواص الموجودة لدى الأنسان. كل من يرفض تحليل الظواهر الطبيعية التي يقوم بها الإنسان من هذا المنظور هو يرفض نظرية التطور.

من أهم خصائص الإنسان هي “نظرية العقل / Theory of mind” ( أرجو البحث عنها و القراءة اكثر)

هذه النظرية تشرح القدرة لبعض الكائنات باستخدام عقلها (أ) ان تميز أن الكائنات الآخرى أيضاً لديها عقل و أنها قادرة على تحليل المعلومات بنفس الطريقة التي هي (أ) تحلل بها المعلومات. هذه النظرية مهمة جداً في موضوع الكذب لاننا ماكنا سنكذب لو أننا لم نمتلك القدرة على استنتاج و تحليل أثر المعلومات المضللة التي نرسلها إلى الطرف الآخر. لذلك نحن لا نكذب على حيواناتنا الأليفة و لا نكذب على الأشياء التي لا تمتلك العقل. أرجو التمييز هنا بين الكذب و الخداع (الإرادة هي الفاصل)
الأشخاص الذين لا يميزون أن الآخرين لديهم عقل هم أشخاص مصابون بمرض “التوحد” (Autism)

من هذه النقطة اود أن أنتقل إلى الأطفال حيث أن عدم ممارسة الكذب بعد سن الرابعة هي اشارة بخلل دماغي تستوجب المراقبة و استشارة الأخصائيين.
سأقص عليكم تجربة علمية صغيرة:
وضع طفل عمره 3 سنوات و خلفة لعبة قطار تعمل على البطارية. طلب من الطفل عدم الالتفاف و النظر إلى اللعبة. ثم يتححج الباحث أن عليه مغادرة الغرفة لكنه يذكّر الطفل بعدم النظر إلى الخلف. طبعاً يوجد كاميرا ترصد تصرفات الطفل. حال خروج الباحث 70% من الاطفال يستيديرون و ينظرون إلى اللعبة التي تثير فضولهم. حال عودة الباحث إلى الغرفة يسأل الطفل هل نظرت إلى اللعبة و 100% من الاطفال يكذبون. (انظر الرابط للفيديو).

[divider]

مصادر و مراجع:

عن التوحد
http://www.autismspeaks.org/what-autism

نظرية العقل و ربطها مع التوحد
http://www.autism.com/understanding_theoryofmind

نظرية الاستثمار الأبوي 
http://beheco.oxfordjournals.org/content/16/1/57.full

صراع الأبناء و الاباء ضمن الاستثمار الابوي و سباق التسلح بينهما – الكذب و رصده
http://icb.oxfordjournals.org/content/14/1/249.short

الخداع عند الأحياء
http://listverse.com/2013/07/20/10-devastatingly-deceptive-or-bizarre-animal-mimics/

 

طائر الكوكو
https://www.youtube.com/watch?v=dAU5MTXmAPY

الكذب عند الأطفال
https://www.youtube.com/watch?v=o0dBsAu693k

مصطفى عابدين

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم ويسعى إلى تبسيطها ونشرها.

أضف تعليق

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق