علم نفس تطوري

الضغط النفسي، فائدته وكيف نتخلص منه

نحن نمارس حياتنا بشكل طبيعي و فجأة نتذكر أننا نسينا أن نسدد فاتورة الهاتف الجوال فنشعر بشعور سيئ. أو مثلاً نكون جالسين مع اصدقائنا و نشعر أننا لسنا سعداء لكن لا نعرف السبب أو أننا نشعر أننا نريد تغير حالتنا الذهنية عبر استخدام المحفذات أو المثبطات الذهنية و لكن سرعان ما يذهب المفعول و نعود من حيث بدأنا. لماذا؟

سأقدم لكم توصيف علمي لمايحدث داخل الجسم في حالة الضغط النفسي و سأحاول تقديم بعض المقترحات التي قد تساعد الإنسان في التغلب على حالات الضغط النفسي المستمرة.

تاريخ الضغط النفسي: 
تخيلوا معي الإنسان القديم يمارس حياته الطبيعية في السافانا الإفريقية. هذا الإنسان يعيش بحالة تأهب دائمة لتفادي الحيوانات المفترسة إذ أن أي خطئ قد يعني افتراسه من قبل أحد الحيوانات الجائعة.

حالة الحذر الدائم هذه، مهمة جداً في تطور الإنسان إذ أنها تشكل آلية دفاعية تساعده في البقاء. اليقظة المستمرة مهمة في رصد أي تهديد أو خطر قد يكون محدق. وفي حال وجد هذا الخطر فعلاً يجد الإنسان نفسه أمام خيارين. إما الهرب أو الهجوم الدفاعي و في كلا الحالتي يجد الجسم نفسه بحاجة جرعات كبيرة من الطاقة وبشكل سريع شبيهة بما نشاهده في أفلام الخيال (توربو بووست). في هذه الحالة يقوم الجسم فعلاً بخطوات استثنائية في استقدام جرعات كبيرة من الطاقة لاستخدامها في الدفاع عن نفسه.

الضغط النفسي الذي نشعر به اليوم بشكل مستمر هو عبارة عن اسقاط لهذه الآلية لكن ضمن سياق بيئي مختلف. نحن اليوم لا نعاني من خطر الإفتراس من حيوان جائع أو خطر التعرض لظواهر طبيعية لا نعرف تفسيرها. لكننا نعاني من الديون و الالتزامات المادية و مصاعب الحياة بشكل عام. نتذكر أننا لم ندفع قسط الهاتف أو اننا لم نسدد فاتورة الكهرباء. أو نسينا واجب المدرسة. نحن نعيش ضمن هيكلية اجتماعية تجعلنا في حالة تأهب دائمة. نحن في حالة هروب من الفاتورات المفترسة بشكل مستمر. هذه الحالة من الضغط النفسي الدائم و حالة الرعب المتواترة تٌدخل الجسم في دائرة سلبية مغلقة يكون لها تأثيرات تزيد من الحالة سوءاً و لهذا أغلبنا تجد نفسها عاجزة عن ايجاد الحلول للخروج من هذه الدوامة النفسية.

التوصيف العملي للعمل البيولوجي في حالة الضغط:

سأقدم لكم توصيف علمي لمايحدث داخل الجسم في حالة الضغط النفسي إذ أن الحل يكمن في فهم المسببات الخارجية و آليات العمل الداخلية

لناخذ مثال بسيط:

شخص ما يمشي في الشارع فجأةً سمع صوت قوي بالقرب منه فقفز من مكانه خوفاً من الصوت ثم اكتشف أن الصوت هو لأحد الباصات القريبة (الأشطمان بالسوري)……

لنذهب برحلة لداخل جسم هذا الشخص و لنلقي نظرة على التفاعلات التي حدثت. الجهاز العصبي الرئيسي استشعر الصوت المفاجئ عن طريق حاسة السمع و ارسل سيالة عصبية مستعجلة إلى قسم الوطاء الدماغي (hypothalamus) قوامها “استشعرت صوتاً عالياً”.

يقوم القسم المركزي الدماغي بسؤال بقية الأقسام “هل لدى أحدكم اي تفسير منطقي لهذا الصوت؟ مصدره؟ اتجاهه؟ لماذا الصوت أعلى من المعتاد؟ هل هو مترابط مع أحداث آخرى تحدث في البيئة المحيطة؟ يأتي جواب جميع الأقسام “لا يوجد ربط منطقي بين الصوت و بين جميع البينات المتوفرة لدينا”

مباشرة قسم الوطاء الدماغي يتخذ تدابيره المتعلقة بالخطر. (هذا يعني أن الجسم يحتاج للطاقة بشكل سريع و فوري لكي يستطيع التفاعل مع الخطر بشكل مناسب).

الدماغ دائماً يتعامل مع كل ماهو مجهول على أنه ظرف “خطر” على أساس قاعدة Better safe than sorry و يرسل برسالة مستعجلة إلى الغدة الكظرية عن طريق افراز هرمون اسمه ACTH. بمجرد ارتفاع نسبة هذا الهرمون في الدم يعرف فريق الغدة الكظرية أن عليهم العمل بنشاط أكثر لأن الجسم بحاجة لحرق كميات كبيرة من السكر. يبدأ فريق الغدة الكظرية فوراً بانتاج هرمون أسمه كورتيزول و هو مسؤؤل بشكل أساسي على استقلاب النشويات المخزنة في الجسم إلى سكريات (وقود) لكي تستطيع خلايا الجسم من حرق السكر و القيام بجميع الأعمال الموكلة إليها من قبل الدماغ…..

في نفس الوقت في مكان آخر في الجسم…..

الدماغ فعّل استراتجية “القتال أو الهروب” عبر اعطاء الأوامر بافراز كميات كبيرة جداً من الأدرنالين إلى الدورة الدموية (300 ضعف المعدل الطبيعي). تتفاعل عضلة القلب مع الأدرنالين و تزيد من عدد النبضات مما يرفع دغط الدم و يسهل وصول أكبر كمية من الدم إلى جميع الانسجة العضلية… الأدرنالين يحفز الكبد على افراز كميات كبيرة من السكر لكي تستخدمها العضلات في سياق تنفيذ استراتجية “القتال أو الهروب”. مباشرةً و كجزء من ميكانكيات “القتال و الهروب” يتوسع بؤبؤ العين لإدخال كمية أكبر من الضوء ليتسنى للدماغ أن يرسم صورة أفضل لما يجري من حوله و يستطيع استقصاء نوع الخطر المحدق.

بعد ارتفاع نبضات القلب أصبحت الدورة الدموية تهدر في الجسم و الكريات الحمراء التى تحمل السكر تتسابق في امداد الخلايا المتواجدة على الخطوط الأمامية للأنسجة العضلية من الذخيرة السكرية الكافية لحرقها في حال اطلق الدماغ الأوامر.

بعد مرور ثانية تقريباً….

الدماغ استطاع تحديد نوع الخطر إذ أن بعض الخلايا الدماغية التي تعمل في قسم الذاكرة وجدت ملف سابق ينص على أن هذه التجربة سبق و حصلت في الماضي. و أن النتيجة حينها كانت سليمة و لا داعي للذعر. قسم المنطق ربط وجود باص لونه أخضر مع مصدر الصوت و ربط رائحة المازوت في الجو و رسم استنتاج أن الصوت لا يشكل خطر و إنما هو صوت (اشطمان الباص).

حسناً أنه انذار خاطئ….

الدماغ يبدأ باستراتجية ما بعد “القتال أو الهروب”. كمية الكورتزول المرتفعة في الجسم تعني أنه على الجسم تعويض الطاقة التي تم صرفها ضمن “القتال أو الهروب”. تبدأ عملية التعويض من خلال افراز هرمون الأنسولين الذي بدوره يحلل كمية السكر العالية في الدم إلى دهون لاعادة نخزينها في الجسم. بالاضافة لذلك يقوم الدماغ بافراز هرمون “لبتين”. هرمون لبتين مسؤول على التحكم في شعور الجوع و الشبع. الجسم يريد أن يعوض ما خسره من دهون فلذلك يرسل الأوامر للجهاز الهضمي أن يتهيئ للأكل ووضع الجسم في حالة الجوع. كما يقوم الدماغ أيضاً باجراء احترازي باعطاء أوامر بتفنين الطاقة و وضع الجسم في حالة من ((الخمول)) إلى أن يأتي الطعام.

تنويه: للدقة العلمية يوجد المزيد من التفاعلات الحاصلة أيضاً ضمن السيناريو إلى أن هذه التفاعلات غير مرتبطة بالفكرة الأساسية للمقال فلم أتطرق إليها.

ملاحظة: حجم البؤبؤ يرتبط بشكل مباشر مع التوازن الكيميائي لهرمونات الجهاز العصبي و لهذا يتم تطوير أجهزة رصد دقيقة الحساسية لحجم البؤبؤ عند الأشخاص لتميز الكذب و الحالة النفسية للشخص المستهدف. 
مثال: إذا قلت لك ماهو ناتج 12 * 7 فإن بؤبؤ عينك سيكبر قليلاً و يعود لحجمه الطبيعي حال معرفة الإجابة.

النتيجة:

بشكل مبسط جداً، الشرح السابق للعمليات الكيميائية يمثل ما يمر به جسمنا كل يوم عدة مرات. نحن في حالة “القتال أو الهروب” بشكل مستمر دون أي فائدة حقيقية. صحيح أن المكانيكية الني شرحتها كانت مهمة جداً في بقائنا إلى أنها أصبحت تشكل لنا عبئ و ضعط نفسي كبير.

نعم أنت بحالة ضغط نفسي شبه دائمة إذ أن هذه الألية “القتال أو الهروب” لا تتعلق فقط في حالات الفزع . أنت تفعل هذه المكيانيكية في حال تذكرت أنك لم تكمل واجبك المدرسي، أو حين يعلق لك أحد اصدقائك الفيسبوكيين بتعليق لا يعجبك، أو حين تريد أن تركب الباص و لا تجد مقعد مناسب، أو حين تلعب ألعاب الفيديو، أو حين ينادي اسمك أستاذ الجامعة لكي تقدم عرضك التقديمي أو حين يخسر فريقك المفضل في جولة رياضية و هكذا.

نحن لم نتطور لنعيش بهذه الطريقة. تطورنا للعيش في الطبيعة و لدينا آليات دفاعية ضرورية فقط في حالات الخطر. اليوم نحن بخطر دائم دون أن نشعر و لذلك نشعر بالخمول و نأكل الأطعمة العالية في السعرات الحرارية. هذا يؤدي إلى تدهور حالتنا الصحية بشكل عام و اضرار بوظائف الجسم و أمراض هي في دورها تسبب أثار سلبية اضافية. هذا التراكم هو سبب صغطنا النفسي المتواصل.

مهما فعلنا فإن هذه الدائرة الكيمائية مستمرة في درجات متفاوته:
ضغط نفسي _ افراز كورتيزول _تحويل سكر _ افراز أنسولين _تحويل إلى دهون _ تخزين دهون _ افراز لبتين _الشعور بالجوع _ الشعور بالخمول _ طعام _ ضغط نفسي _ كورتيزول _ تحويل إلى سكر و هكذا…. طوال اليوم

لهذا السبب نحن نحب أن نأخذ اجازاتنا بعيداً عن ضغوط المدينة و أقرب إلى الطبيعة حيث نستطيع ممارسة حيانتا كما صممها التطور.

الحل:

دائماً أشعر بالثقة حين أطرح الأمور العلمية لأنني ببساطة أستخدم مراجع علمية استطيع ابرازها لتبرير جميع الأفكار التي أطرحها.بينما فيما يتعلق بهذا الشق من المقال أي “الحل للضغط النفسي” فأنا أقر أنني لا أطرح حلول لهذه المشكلة على أنها حلول علمية و إنما اقتراحات مقرونة بدلائل علمية.

الوقاية:
– حين نفهم آليات الجسد و نتعرف على أسباب شهوتنا المفاجئة لاصبع من الشكولا أو رغبتنا في تناول وجبة من البطاطس المقلية أو لماذا نحب التهام البوشار أثناء مشاهدة الأفلام. نستطيع تحديد المفاصل الإشكالية في حياتنا و العمل على تفاديها قدر الإمكان.

في حال تذكرت أمراً يضغطني نفسياً… عادةً ما أذكر نفسي أنني سأشعر بالجوع قريباً و لن أعطي لنفسي العنان لأنني لست بحاجة هذه الحريرات و هي فقط جزء من دورة الضغط النفسي. ساحول هذا الشعور السيئ الذي راودني إلى ألية في تخفيف وزني جسمي يحرق و أنا لا أعوض.

أروض نفسي أن لا أحمّل الأمور أكثر من ما تستحق. أهدئ من روعي بشكل عام وإذا شعرت بالتوتر أذكر نفسي أن شعوري السيئ هذا ما هو إلا محاولات صادقة يقوم بها جسدي لانفاذ حياتي.

العلاج:

الرياضة و الأكل الصحي و التأمل

الرياضة: 
جميعنا يعلم فوائد الرياضة و لا حاجة أن أدخل في تفاصيلها الكيميائية لكنها برآيي الدواء الأول للضغط النفسي. الرياضة تسبب افراز هرمونات الدوبامين و السيروتونين و هذه الهرمونات تسبب السعادة و النشاط و الحب….

الأكل الصحي:

الجسم عبارة عن معمل كيميائي مبرمج بطريقة Chemical Feedback Loops
أي تغذية راجعة كيميائية. كل مادة تدخل الجسم يتعامل معها الجسم ضمن برمجة كيميائية معينة. لن أدخل بموضوع التحليل الغذائي إذ أنه موضوع معقد بعض الشيئ . لكن الفكرة مفادها أن ما نأكله كل يوم له تأثير مباشر بجميع أحاسيسنا و ردود أفعالنا و أدائنا.

التأمل:

عن موضوع التأمل Meditation… جميع الحضارات القديمة اكتشفت فوائد التأمل و لهذا نحن نجد أن الطقوس الدينية هي طقوس تأمل في حقيقتها بسبب الفوائد الدماغية التي تقدمها هذه الطقوس. مثلاً الصلاة التي يقوم بها متبعين الديانة الإسلامية هي نوع من أنواع التأمل و نستطيع تحليل جميع الهرمونات المفرزة أثناء الصلاة و تفسير الشعور بالروحانية أثنائها. كذلك الصلوات المسيحية التي تستخدم الغناء هي طقوس تسبب افراز صلية من الهرمونات تقدم جرعة من السعادة للأشخاص المتفاعلين مع هكذا طقوس. أذاً التأمل هو ليس فقط الجلوس في حالة سرمدية و إنما له الكثير من الفصول و الابواب.

أعدكم أن اكتب مقال مفصل عن العمل الدماغي المتعلق بالتأمل و أليات التأمل و فوائده الصحية إلا أنني سأكتفي بالقول أن الطب الحديث يتجه نحو استخدام التأمل في طبابة العديد من الأمراض النفسية.

يوجد مقال مفصل عن الموضوع في مجلة Scientific American عدد شهر تشرين الأول.

[divider]

المراجع:

http://www.scientificamerican.com/article/stress-and-behavior

http://www.scientificamerican.com/article/the-adrenal-chromaffin-cell/

http://www.scientificamerican.com/podcast/episode/meditation-meta-analysis/

http://www.scientificamerican.com/article/neuroscience-reveals-the-secrets-of-meditation-s-benefits/

مصطفى عابدين

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم ويسعى إلى تبسيطها ونشرها.

2 تعليقان

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • شكرا لمجهوداتك … واتمنى ان ارى الكثير من المقالات في علم النفس التطري بالتحديد … مجال يثير فضول القارئ …
    اتمنى ان ارى مقالات عن تاثير التواصل بين الانسان والاخر … وما الفرق بين الانسان الوحيد والاخر واسع الانتشار .. وهل في الوحده احساس بالامان ….
    وهل مواقع التواصل الاجتماعي اليوم توفر لنا المزيد من التواصل .. ام الوحده الاجتماعيه