علم أحياء

قصة تطور الإنسان

التطور هي عملية زمنية تراكمية تنتج عن آليات طبيعية من أهمها “الانتقاء الطبيعي”

عملية الانتقاء الطبيعي هي عملية بغاية البساطة من حيث المفهوم لكن نتائجها بغاية التعقيد، الفكرة تقول أن الكائنات الحية تستحوذ على خصائص مختلفة بسبب الطفرات الجينية الناتجة عن عملية التبادل الجيني أثناء العملية الجنسية، هذه الخصائص إما تكون ايجابية للكائن فتزيد من فرصة بقائه و تكاثره أو تكون خصائص سلبية فتؤدي إلى انقراضه. العوامل الأساسية للتطور هي التكاثر و الموت و الوقت و قصة تطور الإنسان لا تختلف عنها بشيء.

ملاحظة: 
في هذه المقالة سيلاحظ القراء أنني أستخدم المؤنث المخاطب عوضاً عن الذكر المخاطب المعتاد عليه، أنا أعتبر ذلك في إطار المساواة بين الذكر و الأنثى حتى و إن كانت خطوة رمزية، أعلم أن هذا قد يكون غريباً بعض الشيء لبعض القراء لكن الغرابة ليست إلا دليل على أننا مقصرون في هذا المجال.

دلائل على التطور:

إذا أردتِ أن تري التطور بشكل مباشر فعليكِ أن تجدي كائنات تتكاثر و تموت ضمن وقت قصير مقارنة مع عمر الإنسان. على سبيل المثال البكتيريا هي كائنات لا تعيش طويلاً و بإمكاننا مخبرياً أن نشاهد كيف تتطور أجيالها مع الوقت. الطب الحديث في جميع مفاصلة يعتمد على نظرية التطور في تطبيقاته العلمية، فعلى سبيل المثال اكتشاف المضادات الحيوية و اللقاحات مبني بشكل كامل على أساس نظرية التطور (انظري لماذا ينصح الأطباء بإكمال جرعة المضاد الحيوي حتى النهاية).

في المرة القادمة حين تذهبين إلى الطبيب تأكدي أنه مقتنع بنظرية التطور و أن علاجه مبيني عليها و ليس على اعتبار أن المرأة أتت من ضلع أدم، جدير بالذكر أن الدلائل و البراهين عن تطور الأحياء هي أكثر من الدلائل و البراهين لإثبات قانون الجاذبية، في النهاية قانون الجاذبية مازال غامض بالنسبة لنا على المستوى الذري بينما التطور أصبحت واضحة و جلية على كل المستويات، يستطيع القارئ أن يبحث و يتعمق أكثر في الدلائل و البراهين التي تثبت التطور لكن الهدف من هذا المقال هو سرد تطور الإنسان و ليس إثبات التطور.

مقدمة:

أنا أفترض أن القارئة في هذه المرحلة تعتمد نظرية التطور على أنها طريقة علمية في شرح تنوع الأحياء، في سياق النص سأستخدم بعض الدلائل البيولوجية التي تدل على تطور الإنسان من جد بدائي ينتمي لعائلة القرود العظيمة، الجدير بالذكر أنني لن أتطرق للأسماء العلمية للفصائل العديدة التي مر بها، التطور و هي حوالي 20 كائن مختلف عن أسلافه في سياق التطور حتى مرحلة الإنسان الحالي، لكنني جاهز أن أقدم كل ما يلزم من مراجع علمية في حال أرادت القارئة التعمق أكثر في هذا البحث، ما أطلبه أن تتذكر القارئة أن المدة الزمنية لهذا التطور هي 5 مليون سنة تقريباً.

للمقاربة، الـ 2000 سنة الفائتة تعادل 004.% من 5 مليون سنة هذا يعني إذا كانت قصة تطور الإنسان مدتها سنة فإن عمر الإنسان الحالي هو يوم و نصف، أيضاً أود أن أنوه أن جميع الخصائص و الأعضاء التي تطورت هي تتطور بشكل متزامن و مترابط مع بعضها البعض إذ أن تطور جزء يؤثر مباشرة في بقية الأجزاء.

تطور الإنسان:

الإنسان يعود إلى جنس الثدييات الفقارية لعائلة القرود العظيمة، الإنسان القديم يعود عمره ما يقارب الخمسة مليون سنة وهو يعتبر فصيل  مختلف عن الإنسان الحالي، الإنسان على شكله الحالي يقدر عمره بـ ٢٠٠ ألف سنة و جميع أجناس الإنسان أتت من أفريقيا وهاجرت بسبب محدودية الموارد الغذائية.

“الإنسان تطور من القردة”

هذه المقولة من أكثر الأخطاء الشائعة….
الكثير من المشككين في نظرية تطور الإنسان يسألون “إذا كان الإنسان قد تطور من الشيمبانزي كيف نفسر أنه لا يزال يوجد شيمبانزي؟”

الإنسان لم يتطور من القردة لأنه لايزال فصيل من القردة تحديداً من عائلة الشيمبانزي، عائلة الشميبانزي تتضمن ثلاث فصائل: الإنسان، البونوبو و الشيمبانزي المتعارف عليه.
البونوبو و الشيمبانزي هما أولاد عم الإنسان و ليسوا أجداده، جد الفصائل الثلاثة المشترك أقرب للشيمبانزي المتعارف عليه من شكل الإنسان و يعود عمره لحوالي 5 مليون سنة.
الأصناف و التفرع الحيوي: Speciation

الأصناف تنشأ نتيجة فواصل جغرافية تعزل بعض أقسام مجمعات الأحياء عن بعضها، الفواصل الجغرافية التي تفصل هذه المجموعات تؤدي لعدم اختلاط  جيناتها مع بعضها البعض مما يؤدي لاختلافها مع الوقت. سبب الفصل الجغرافي يعود لانتشار الكائنات الحية في البحث عن الموارد.

على سبيل المثال:

مجموعة من الأسماك تعيش في مجمع مائي معين تأكل و تتكاثر، مع الوقت أصبحت أعدادها أكبر من الموارد الغذائية المتاحة ضمن البيئة المحلية، تنطلق بعض هذه الأسماك في مجموعات للبحث عن الطعام. مع الوقت تنجح بعض هذه الأسماك بإيجاد موارد جديدة، و لكن .. الموارد الغذائية الجديدة تختلف طريقة صيدها عن الموارد المعتادة، الأسماك أصبحت مضطرة لاصطياد طريدتها بشكل أسرع و أقرب من السطح. مع الوقت الأسماك القادرة على الاصطياد بالقرب من السطح بطريقة سريعة تستطيع البقاء، و الأسماك الأخرى التي غادرت تنقرض بسبب عدم توفر الموارد أو افتراسها من قبل أسماك أكبر.

على فرض أن عوامل جغرافية معينة تفصل بين مجموعتي الأسماك بشكل يمنعهم من التزاوج (التبادل الجيني) مع الوقت ستختلف المجموعة الأصلية التي انطلقت منها المجموعات عن المجموعة التي تعيش بالقرب من السطح.

مع مرور الوقت تشح الموارد الموجودة بالقرب من السطح فتنطلق مجموعات جديدة في البحث عن موارد جديدة و هكذا.

الزمن و الموت و التكاثر و العازل الجغرافي، هذه هي الشروط الأساسية للتفرع الجيني و التطور.

¬المناخ و الموارد الغذائية:

التغيرات المناخية التي تحدث على كوكبنا لها تأثيرات مباشرة على النظام البيئي و الدورة الغذائية بين الكائنات، الجد المشترك لعائلة الشيمبانزي الذي كان يعيش في أفريقيا تأثر بهذه التغيرات المناخية، و التي وضعت ضغط بقائي عليه بسبب محدودية الموارد الغذائية، عدم توفر الغذاء يعد عاملاً ضاغطاً جداً من حيث التطور لأن كل كائن يفشل في تأمين الموارد يموت، و بالتالي الحيوانات ذات المواصفات الأفضل في إيجاد الطعام لديها تفوّق طبيعي للبقاء مهما كان هذا التفوق صغير أو غير مهم.

إذاً جميع المواصفات التي سأذكرها هي في سياق التطور لإيجاد موارد غذائية أكثر و بالتالي فرص تكاثر أوفر.

¬السير على قدمين: 
الانتصاب و الوقوف على القدمين من أهم الخصائص التي يختلف بها الإنسان عن بقية أصناف القرود، هذه الخاصية هي العامل الأساس الذي أثر في تطور الإنسان ليصبح كائن عاقل ناطق مدرك، أنا اليوم قادر على كتابة هذه المقالة لأن أجدادي قبل خمسة ملايين سنة استطاعوا الوقوف على قدمين مما حرر أيديهم و جهازهم التنفسي و أطلق العنان لتطور عقلهم.

جدير بالذكر أن عامل الوقت هو عامل لا يستهان به، فعندما نقول أن خاصية الوقوف تطورت عند الإنسان نحن نتكلم عن ألاف الأجيال و مئات الألوف من السنين لتحقيق هذه الخاصية.

¬دوافع المشي على قدمين: 
في البيئة الأفريقية القليلة الموارد الضغط التطوري كان لمصلحة الحيوانات القادرة على قطع مسافات بعيدة، الإنسان القديم استطاع البقاء عبر المشي لمسافات طويلة لإيجاد مورد من الماء أو الطعام (انظري حياة الفيلة) إذاً القرود التي استطاعت أن تقطع مسافات أطول زادت فرصها في البقاء، السير على قدمين هو أكثر فعالية من المشي على أربعة من الناحية الاقتصادية، إذ أن الكائن ليس بحاجة لاستخدام جميع أطرافه و هذا يعني توفير بكمية الحريرات المصروفة، كما أن الكائن المنتصب على قدمين أقل تعرض لأشعة الشمس من الكائنات الرباعية الحركة، هذه خاصية مهمة جداً في البئية الأفريقية الواقعة على خط الاستواء و التي تعني تعرض أكبر لأشعة شمس و حاجة أكبر للماء و المأوى أيضاً، المشي على قدمين يعني حرية استخدام الأطراف العلوية في البحث تحت الصخور أو قطف الثمار و تسلق الأشجار.

من نتائج التطور باتجاه الانتصاب و الوقوف على قدمين:

هاجرت فئات من القرود مواقعها للبحث عن موارد غذائية جديدة مما فعّل آليات التفرع الجيني التي ذكرتها سابقاً، و بدأت فصائل جديدة من القرود تتطور بشكل مختلف. البقاء على قيد الحياة بالنسبة لهذه القرود يقتضي عليها الترحال لمسافات بعيدة و القدرة على الصيد و إيجاد الموارد الغذائية و الاختباء من الحيوانات المفترسة الأخرى، مع الوقت انقرضت الكائنات التي تمشي مقابل الكائنات التي تمشي أسرع، ثم انقرض من يهرول مقابل من يركض، إلى أن وصلنا إلى نسختنا الحالية ( مشي و هرولة و ركض)

¬الجهاز التنفسي و التواصل: 
(تذكري أن جميع الخصائص كانت تتطور بشكل متوازي و ليس تلاحقي)

في الطبيعة لا يوجد شيء مجاني، كل شيء له ثمن معين نصرفه على شكل سعرات حرارية، أنتِ الآن تصرفين حريرات مقابل قراءة هذه المقالة، في حال القرود و البحث عن الطعام فإن طبيعة الغذاء التي تعتمد عليها القرود هي أغذية تحتاج لعمل جماعي للحصول عليها، و من المفيد تجارياً لأي قرد أن يخبر الآخرين بوجود شجرة مثمرة هنا أو العمل ضمن مجموعة لصيد حيوان شارد هناك، من هنا بدأت قصة تطور التواصل ثم النطق ثم اللغة، إذاً فتطوّر خاصية إصدار أصوات معينة بهدف الإشارة لوجود موارد معينة هي عملية مربحة من المنظور التطوري، فالتواصل لا يكلف كثيراً مقابل ربح كبير في الموارد، أنا لا أتكلف كثيراً بأن أقول لمجموعتي من القرود أنني وجدت شجرة مثمرة في تلك الناحية، بالنسبة لي هي مجرد أصوات أطلقها عبر حنجرتي لكن النتيجة تعود عليّ بالكثير من الموارد الغذائية أو حماية نفسي من الحيوانات المفترسة.

وقوف الإنسان على قدمين يعني ضغط أقل على عضلات الصدر و اليدين، عدم الحاجة لاستخدام السواعد يعني سلاسة في عملية الزفير و النفير، مثلاً تخيلي لو أن عليكِ الكلام و أنتِ تمارسين تمرين الضغط، بالتأكيد لن تستطيعي النطق بشكل سليم بسبب الضغط الناتج على الرئتين، الوقوف على قدمين و الحاجة الماسة في التواصل أدت إلى تطوير الجهاز التنفسي بشكل يسهل عملية إصدار الأصوات، طبعاً هذه العملية تدريجية و بطيئة جداً، هذا التطور مصحوب بتطور الجهاز الهضمي و الأسنان و الحنجرة و الدماغ إلى أن وصلنا إلى نتيجة النطق و من ثم اللغة.

الكائنات التي استطاعت تطوير آليات تواصل فيما بينها زادت فرصها بالعثور على الطعام، و بالتالي التكاثر، و مع الوقت أصبح لدينا فصيل من القرود القادرة على المشي لمسافات طويلة و إصدار بعض الأصوات البدائية لتُخبِر بعضها البعض بوجود مورد غذائي هنا أو خطر محدق هناك (مازال هذا الكائن أشبه بالشيمبانزي عن الإنسان الحالي لكنه قادر أن يقول “با” “مي” “أنا”)

¬الأسنان و أكل اللحم و الدماغ:

لنلخص شكل الكائن الذي طورناه حتى الآن.

هو من فصيلة القرود العظمى يمشي على قدميه قادر على تسلق الأشجار و يستطيع إصدار الأصوات، نظامه الغذائي يعتمد بشكل أساسي على النباتات و البذور بسبب وفرتها و صعوبة الصيد بسبب بطئ حركته. هذا يعني أن أسنان الإنسان في هذه المرحلة مازالت غير مناسبة لمضغ اللحوم، الحركة و جمع الثمار يحتاج لطاقة كبيرة، و هذا النوع من الموارد الغذائية يقدم وجبات ذات سعرات حرارية منخفضة مقارنة مع الجهد المبذول لجمعها، هذا يعني أن الميزان التجاري بين جمع الثمار و صرفها بشكل طاقة يكاد يكون خاسراً.

اللحوم قدمت الحل إذ أنها تقدم وجبات ذات سعرات حرارية عالية و ضمن استثمار شبيه بالاستثمار لقطف الثمار و الحبوب، هذا يعني أن الأفراد القادرين على أكل اللحوم أصبح لديهم خاصية مميزة تزيد من فرصهم على البقاء و التكاثر.

جدير بالذكر أن التطور إلى حيوان لاحم لا يعني أن القرود التي لم تصبح لاحمة انقرضت، و إنما تطورت ضمن سياق مختلف، لكن لدى الإنسان عدة عقبات فيما يتعلق بأكل اللحوم.

أولاً (الأسنان):

مضغ اللحم النيئ صعب جداً، و خصوصاً لكائن يعتمد في نظامه الغذائي على المواد الغذائية العالية الألياف مثل الفواكه و الخضار، أسنان الإنسان في هذه المرحلة كبيرة الحجم لطحن الخضار و الفواكه و لكن في المقابل اللحم يحتاج إلى أسنان حادة و صغيرة لتقطيع اللحم، إذ أن مضغ اللحوم قد يستغرق عدة ساعات و هذا قد يعني الحياة أو الموت بسبب تعرض الإنسان للخطر من قبل حيوانات مفترسة أخرى.

التطور عبر الانتقاء الطبيعي يفضّل القرود ذوي الأسنان الأصغر لأنها تستطيع الحصول على اللحم و بالتالي فائض في كمية الحريرات، مما يتيح لها تطوير أدوات جديدة تستخدمها في تحسين ظروفها للبقاء و التكاثر. جدير بالذكر أن تطور الأسنان أثّر بشكل مباشر على تطور شكل الفك، لهذا نجد اختلافات في تفاصيل الوجه بين الإنسان الحالي و بقية القرود التي مازالت تعتمد على بشكل أساسي على النباتات في نظامها الغذائي.

ثانياً الجهاز الهضمي:

أكل اللحوم يعني الحصول على جرعات من البروتين بشكل مكثف دون الحاجة لاستثمار الوقت و الجهد في إيجاد الحبوب و النباتات الغنية بالبروتين، هذا يعني أن الإنسان القديم لم يعد بحاجة لجهازه الهضمي الكبير نسبياً، إذ أن الألياف تحتاج إلى الكثير من العمليات الهضمية (انظري الجهاز الهضمي عند البقرة) و التي استعيض عنها بجرعات مركزة من البروتين.

بدأ التطور يتجه نحو تقليص حجم الجهاز الهضمي (بسبب عدم الحاجة له) و توجيه الموارد نحو تطوير الدماغ، هذا الفصل يعتبر من أهم المفاصل في قصة تطور الإنسان إذا أن أكل اللحوم قدم للإنسان الطاقة الكافية للقيام بتطوير أدوات و طرائق معيشية جديدة، و قدم الطاقة الكافية لتطوير القدرات الدماغية التي مكنته من التطور الفكري و الحضاري.

أود أن أطرح فرضية علمية مازالت قيد النقاش إلا أن الدلائل تشير إلى صوابها و هي أنه يوجد علاقة بين حجم الجهاز الهضمي للكائن و بين حجم دماغه، فكلما تقلص حجم الجهاز الهضمي عبر التطور كلما كبر حجم الدماغ، الدماغ الجيد يستطيع إيجاد طعام ذو جودة جيدة مما يعني عبئ أقل على الجهاز الهضمي، وهذا ما حدث للإنسان.

الدلائل الاركيولوجية (الآثار) تدل على أن حجم الجمجمة عند الإنسان بدأت بالتوسع بنفس الوقت الذي بدأ بها الجهاز الهضمي بالضمور، أيضاً تشير الدلائل بأن الإنسان القديم بدأ باستخدام بعض الأدوات الحجرية البدائية قبل حوالي مليون سنة، بعض هذه الآثار تشير إلى استخدام الإنسان في طحن اللحوم مما يشير إلى أن الإنسان القديم كان يستعيض عن مضغ اللحوم بطحنها قبل أكلها، أيضاً توجد دلائل تشير أن الإنسان استخدم أدوات حادة في كسر عظام الطرائد التي يصطادها، مما يدل على نوع من التحضر في استخدام الأدوات.

ملاحظة: انظري الفيديو المرفق الذي يوضح كيف يستخدم الشيمبانزي بعض الأدوات في كسر البذور الصلبة و في اصطياد النمل لما يشكله النمل من وجبه غنية من البروتين.

من غير المعروف بالضبط متى استطاع الإنسان ترويض النار و القدرة على طهي الطعام لكن الآثار تشير إلى نحو 900 ألف سنة،  هذا يعني أنه لدينا حيوان من فصيل القرود العظيمة قادر على الانتصاب و المشي و يستطيع التواصل ضمن مجموعاته و التخطيط  و الصيد بجهازه تنفسي يمكّنه من إصدار أصوات مختلفة و هو قادر على طحن اللحوم و هضمها بشكل أفضل عن بقية فصائل القرود العظيمة.

الدماغ:

كبقية الأعضاء في الجسم تطورَ الجهاز العصبي لكي يتلاءم مع احتياجات البقاء، فالجسم يمر بتغيرات كبيرة منها السير على قدمين و التواصل و غيرها من الخصائص، إذا أردنا أن نأخذ السير على قدمين كمثال لتوضيح التغيرات الدماغية اللازمة فهذا سيوضح بقية المتغيرات و تعقيد التطور الدماغي.

– السير على قدمين يعني انتصاب القامة و ازدياد زاوية الرؤيا لدى الإنسان، مما يعني حاجة أكبر لتطوير حاسة النظر. (النظر الثلاثي الأبعاد)
– تحرير اليدين يعني تطوير ميكانيكيات استخدام اليدين و الأصابع العشر، و هذا يعني المزيد من الوصلات الدماغية للتحكم بيديه.
– الوقوف على خلاف الحيوانات الرباعية الأرجل، الوقوف على قدمين يعني عمل دماغي مستمر من التوازن و التحكم بعضلات القدمين.
– الركض، الهرولة، القفز، جميعها حركات ميكانيكية جديدة نتجت عن تطور دماغي متعلق بتطوير خواص التوازن.
هذه أمثلة عن خاصية واحدة و بعض ما ينتج عنها من تطور دماغي.

إذا أضفنا التطور اللغوي، و التطور الاجتماعي، و التطور الغذائي، و التطور الجنسي، نجد أن تطور الدماغ بشكل كبير يفسر اختلافه عن بقية الفصائل من القرود العظيمة، كما أن تحول الإنسان إلى حيوان لاحم أتاح المجال كي يتطور الدماغ  ويصبح على شكله الحالي.

مثلاً:
التطور الجنسي: الإنسان من الكائنات القليلة جداً القادرة على ممارسة الجنس وجهاً لوجه، مما طور العديد من الخصائص الثانوية التي تتعلق بالعلاقات الزوجية و الروابط الاجتماعية و الغرائز المتعلقة بالحب و الإثارة الجنسية، هذا المثال الصغير يوضح كيف أن أقل تغيير في بناء الجسد ينتج عنه مئات التغيرات الأخرى التي تؤثر على ماهية التطور الدماغي.

الانتصاب على قدمين و المشي لمسافات طويلة يعني أن الإنسان يحتاج إلى تطوير جهاز تبريد للجسم لتجنب ارتفاع درجات الحرارة و هذا ما يفسر خصائص التعرق.
في المحصلة تطور الدماغ ليس هو ما ميز الإنسان عن بقية فصائل الشيمبانزي و إنما محصلة التغيرات التطورية التي طرأت على الإنسان هي التي أدت إلى تطور الدماغ لشكله الحالي.

الثورة الزراعية:

بشكل ملخص يجب التطرق للثورة الزراعية، حيث أنها أتاحت للإنسان القدرة على البقاء ضمن مجموعات أكبر و تطوير مجتمعات ذات أنظمة و قوانين تحكم علاقات الأفراد.

الثورة الزراعية قدمت فائض كبير من الموارد الغذائية، مما ساهم في إتاحة الفرصة لكي يتطور الإنسان في مجالات ثقافية  و فنية أثمرت عن ثورات في جميع المجالات.

من آثار الثورة الزراعية أيضاً ازدياد التعداد السكاني بنسبه هائلة و ذلك بسبب توفر الطعام و الفائدة من الأولاد كأيدي عاملة في العمل الزراعي، بالإضافة إلى أن الثورة الزراعية أثرت في علاقة الذكور و الإناث حيث عملت النساء في الزراعة و جمع المحاصيل بينما اهتم الذكور بالصيد و حماية التجمعات السكانية، لهذا أصبح من ضمن مسؤوليات الأنثى جمع الأعشاب الدوائية لمعالجة الأمراض.

فاصل ترفيهي:

في الحضارات السورية القديمة كانت المرأة ترمز للخصوبة بسبب دورها في الإنجاب و العمل الزراعي، و قامت هذه الحضارات بعبادة آلهة الخصوبة عشتار أو غيرها من المسميات، ففي حال كان المحصول الزراعي غير جيد كان القدماء يُصلّون لهذه الآلهة التي رمزت للإخصاب في الأرض، هذه هي جذور الأساطير حول ربط الأنثى بالأرض فأصبح لدينا “جيا” أو الأرض الأم، ثم رُبط  رمز الشجرة مع الأنثى إلى أن جائت الديانات الذكرية و حاولت مسح هذه الرموز، لكنها فشلت و مازلنا نجد رموزها في كل مكان.

(من بعض الطقوس التي يمارسها المليارات من البشر دون ربطها بخصوبة المرأة هي شجرة الميلاد)

لنعود لموضعنا…..

الدلائل البيولوجية التي تدل على تطور جسم الإنسان :

الزائدة الدودية: 
هي نتيجة ضمور الجهاز الهضمي كما ذكرت سابقاً، إذ كان لها وظائف هضمية كمعدة ثانية و مع ضمور الجهاز الهضمي أصبحت دون فائدة تذكر سوى أنها مجمع لبعض البكتيريا الهضمية.

الأحافير الجيولوجية:
علم الأركيولوجي يؤكد لنا عبر مئات الأحافير الموجودة في المتاحف العالمية عن وجود العديد من الأصناف الشبيهة بالإنسان الحالي و التي تتضمن اختلافات طفيفة تؤكد أنها تعود إلى نفس السلالة، أنا تفحصت هذه المستحثات في المتحف الوطني لتاريخ الطبيعة في واشنطن، و تستطيعون زيارة المتحف بشكل افتراضي عبر الرابط الموجود ضمن الموارد و المراجع، برنامج أصول الإنسان في مؤسسة سميثسونيان

عظم العص و حالات نمو الذيل Coccyx:
لا يوجد أي فائدة لوجود عظم العص عند الإنسان و هو من بقايا أجدادنا السابقين، في بعض الحالات النادرة يولد الطفل و له ذيل قد يصل طوله إلى 20س

القشعريرة في حالة الخوف أو البرد: 
القشعريرة هي حالة لا إرادية غريزية ناتجة عن الشعور بالخوف أو البرد، و من فوائدها لدى الحيوانات ذوي الشعر أو الوبر أنها بشكل تلقائي تعمل على تحفيز الأكياس الشعرية، مما يؤدي إلى تدفئة الجسم في حالة البرد أو جعل الكائن يظهر في مظهر أكبر في حالة الخوف (كما تفعل القطط)

العصب الحنجري الراجع:
إذا نظرنا من الناحية التشريحية لهذا العصب ستكتشف أنه عصب يربط الدماغ بالحنجرة للتحكم بوظائفها و الإحساس بها، طريق سير هذا العصب يثبت لنا أن الإنسان تطور من كائنات أخرى إذ أن العصب يذهب في رحلة طويلة عبر العصب الحنجري ليلتف تحت قوس الشريان الأبهر ثم يصعد بالعودة من القلب إلى الحنجرة في حين أن المسافة بين الدماغ و الحنجرة هي مسافة قصيرة و لا تحتاج لهذه الدورة الطويلة من الدماغ إلى القلب و العودة إلى الحنجرة، سبب هذه اللفة أن تطور الإنسان من كائنات مائية في السابق أجبر الشريان على هذه المسار، لو كان الإنسان مصمم لكان من المنطقي وصل هذا العصب بشكل مباشر بين الدماغ و الحنجرة، هذه المشكلة موجودة عند جميع الثدييات مما يؤكد على أنها جميعاً تعود إلى جد مشترك في مرحلة من مراحل التطور.

التموضع الجيني ضمن الحمض النووي: 
في المقارنة بين الحمض النووي للأحياء نستطيع ربط الخصائص الأساسية بين بعضها البعض ضمن الحمض النووي و نستطيع مشاهدة تموضوع الجينات بصيغة تراتبية بين الأحياء، مثلاً الجينات المسئولة عن النطق عند الإنسان غير موجودة عند الشميبانزي إلإ أن جينات الشيمبانزي تبرر وجود جينات النطق (تطور الحنجرة) عند الإنسان، التمايز الجيني بين الإنسان و الشيمبانزي لا يتجاوز 3%.

مراحل التشكل الجنيني:
الحمض النووي هو بمثابة وصفة الطبخ و الجنين هو الطبخة، مراحل التشكل الجنينية تعتمد اعتماد كلي على الوصفة المتضمنة ضمن الأحماض النووية للأم و الأب، كون الإنسان تطور قبل ملايين السنين من كائنات بحرية ثم زواحف  ثم فقاريات ثم ثدييات، و بما أن الحمض النووي يتضمن تاريخ تطور الإنسان فإن مراحل تشكل الجنين الأولية تعتبر متطابقة ما بين جميع هذه الأصناف، إذا قارنا بين مراحل التشكل الجنينية بين هذه الأصناف سنجد أنها متطابقة، و مع استمرار التطور الجنيني يأخذ كل كائن التسلسل الجيني له.

أضراس العقل: 
مشكلة أضراس العقل هي صغر حجم الفك لما ذكرته سابقاً في شق تطور الأسنان و الجهاز الهضمي، صغر حجم الفك يسبب المشكلة حيث لا يبقى مكان كافي لبزوغ الأضراس و يضطر المريض إلى العمل الجراحي في بعض الأحيان.

الملخص:

يشكل إدراك الإنسان للوقت أكبر عائق في فهمه للكون ومكوناته.
أثبت العلم أن كل شيء في هذا الكون من عناصر و مكونات طبيعية بما فيها الحياة هي نتيجة عمليات و تفاعلات تراكمية تأخذ مليارات السنين حتى تكتمل، من المعلوم أن إدراكنا للكون ناجم عن قدرة عقلنا على التحليل و نحن نفسر الأمور من منطق الخلق لما يقدمه هذا المنطق من تبسيط للأمور.

منطق الخلق يعد أسهل طريق للفهم، لأنه ينسجم مع قدرتنا العقلية على فهم سبب وجود كل ما نراه أمامنا و بشكل بسيط و سريع.

الإنسان القديم لم يكن لديه الوسائل المتاحة لنا اليوم، التحليل المنطقي العقلاني لذاك الإنسان كان أن يفترض وجود قوه أو طاقة مسئوله عن صناعة كل ما حوله.
أما في حقيقة الأمر فإن كل مكون في الكون هو عبارة عن مجموعة من المكونات الأصغر حجماً إلى أن نصل لمستوى الذري، الذري هو مكون أيضاً من أجزاء صغيرة مازال العلم غير ثابت بشأنها نسميها الأوتار، كل كائن معقد لابد و أنه مكون من مكونات أقل تعقيداً و خلال عملية تراكمية زمنية (نظرية التخفيض أو Reduction Complexity) حيث نستطيع تخفيض أو تعقيد أي مكون في الكون إلى أجزاء أصغر أو أكبر.

النقطة الثانية التي تشكل عائقاً في فهمنا و إدراكنا للكون هي أن متوسط عمر الإنسان لا يسمح له بملاحظة عمليات التطور الحاصلة حتى و إن كان يراقبها عبر عشرات الأجيال، عملية التطور تأخذ ملايين السنين و عمر الجنس البشري (هوموسيبيان) هو ٢٠٠ ألف سنة تقريباً، لهذا يعتبر من المنطقي أن لا يلاحظ الإنسان هذه الظاهرة و أن يفترض نظريات الخلق.

أعتذر عن الإطالة لكن الموضوع ليس موضوع سهل الشرح…

 

مصطفى عابدين

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم ويسعى إلى تبسيطها ونشرها.

5 تعليقات

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق

  • يعني اسمك مصطفي وملحد وتنفي خلق الله لخلقه لمجرد أنك عندك بعض العلم الجزئي سبحان الله المشكلة ليستفي التطور بل إستغلاله لنشر الإلحاد فليكن الخلق مرة واحدة أو علي مراحل لكن أن تنفي حدوث الكون وبث الحياة من قبل الله في خلقه وأنه منشئها بحجة عدم الحاجة لوجود خالق مادامت القوانين تعمل بذاتها فهو التدليس بعينه فهلا درست إعجاز القرءان -كتاب الله – العلمي في أي فرع من فروع العلم لتدرك أن من علمك العلم علمك لتدرك عظمته وتدعو الناس إليه لا لتضل الناس عن سبيله بحجة العلم والعلم الحقيقي من منهج الملاحدة براء أول خلية أعقد من أعظم جهاز بشري أنفت عليه أروبا المليارات (أقصد مصادم الهيدرونات الكبير ) فهل تطور هذا الجهاز من المعادن الخاملة والتربة الميتةأم إحتاج لخطة عمل وتمويل وموارد وتخطيط وعلم وهندسة وصناعة إذا كان وجود أول خلية حية من المادة الميتة يخرسكم فالأولي أن يخرسكم التطور ذاته لأنه يحتاج كائنات قابلة للتطور وتوريث هذا التطور المفيد الذي يبقي الكائن حيا في كل البيئات والتغيرات الحاصلة علي الأرض الكون يحتاج لخالق قادر عليم حكيم وكذلك الخلق للحياة و التطوير لها فسبحان من أعطاك عقلا وعلما واعدمك نفعها لإتباع الهوي ” فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور “

  • عندي استفسار
    لا أعرف إن كان العلم قد أثبت ذلك أو لا
    و لكن اعتقد بوجود آليات تطور عدا عن الانتقاء الطبيعي
    بمعني أن موت أصناف معينة على حساب أخرى تتكاثر، ذلك يبرر صفات معينة و لكن ليس كل الصفات
    اعتقد ان الصفات المكتسبة بسبب البيئة إذا استمرت لأجيال تصبح وراثية، ربما اسمها العلمي epigenetic

    مثال لون الإنسان
    لا أعتقد أنه يجب أن يموت الأسود في أوروبا
    أو الأبيض في أفريقيا
    بل اعتقد انه جيلا بعد جيل يتحول لونه لتناسب البيئة

    أما المكتسبة تورث، أو أنه يحوي جينات لأكثر من صفة و تفعل عند الحاجة لها

    شاكر لجهودك