فيزياء ذرية

هل السببية مجرد وهم؟

دائما نسمع عن السببية ونفترضها عنصر أساسي في فهمنا لماهية ما يجري من حولنا فنقول إنه لكل فعل مسبب فعله. هذا صحيح على المستوى المتوسط الذي يعيش به الإنسان، لكن إذا ما رفعنا الغطاء عن محرك الكون على المستوى الذري نجد أن السببية ليست كما نفترضها. نحن دائماً نفترض أن السببية هي علاقة بين حدثين فيكون الحدث الناتج عن مسببه واقع بعده زمنياً أي أن الكوب الذي ينكسر يجب أن يقع على الأرض أولاً، لكن ماذا لوكان وقوع الكوب على الأرض محكوم باحتمال انكسار الكوب أم لا. إن كان الكوب سينكسر إن وقع يحدد وقوعه عن عدمه.

أدعوك أن تخوض معي بهذا المقال لنكشف الغطاء عن السببية على المستوى الذري.

سأحاول أن أخبركم عن ظاهرة فيزيائية تخالف كل ما نعتبره منطقي في حياتنا اليومية وسأطرح فكرة ستجعل من هذه الظاهرة غير المنطقية أكثر غرابة وتجعلنا نشك بأكثر المبادئ الاساسية بالنسبة لنا. مبدأ السببية الذي نفترض بسببه أن لكل فعل مسبب قد سبقه.

ماهي السببية؟
السببية هي مصطلح فلسفي علمي يشير لعلاقة بين حدثين فيكون الحدث الثاني نتيجة عن الحدث الأول ويكون الحدث الأول سابقاً زمنياً للحدث الثاني فعندما أفتح الباب يكون حدث دفعي للباب سابقاً لحدث تحرك دفة الباب. أعرف أن هذا التوصيف قد يبدو بديهي لكن صبراً معي لأننا سنخوض في تفاصيل مركبة بعض الشيء ومن المهم توضيح جميع المفاهيم.

ما هو الحدث؟
عندما نقول “حدث” فإن الحدث هو تفاعل فيزيائي يحدث ضمن مكان وزمان محددين. مثلاً أنا الآن في اليابان أكتب هذا المقال في الساعة ٩:٥٠ صباحاً. هذا الحدث لن يتكرر مرة أخرى في تاريخ الكون. وذلك لأن موقع الكرة الأرضية وموقعي أنا في تلك اللحظة الزمنية (كمية الإنتروبي المنتشرة) لن تتكرر. من الناحية الفيزيائية لا يمكننا وضع ذرتين (بروتون ـ إلكترون – نيوترون) في حدث واحد مهما كان. إذ أن كل ذرة تحتل مكان وزمان محدد لا يمكن لذرة آخرى أن تحتل مكانها في نفس المكان والزمان. هذا ممنوع في الكون (أنا أتحدث عن الفريمونات).

(تأمل هذه الفكرة: لا يوجد حدثين في نفس الوقت في الكون)

هذا يعني أننا عندما نقول أن شيء حدث في نفس الوقت فهذا ليس دقيق لأن الحدثين لم يتواجدا في نفس الزمان والمكان ودائماً يوجد فرق زماني ومكاني بينهما. أنت عندما تريد ارسال بريد عادي عليك كتابة العنوان الذي يتوجب ارسال الرسالة له. أنت لا تبدأ الرسالة بكوكب الأرض ضمن العنوان لأن هذا يعد بديهي لكن عليك كتابة اسم الدولة ثم اسم المدينة ثم رقم الشارع ثم رقم الشقة. الآن إذا اردت أن تقابل أحد اصدقائك في مكان ما فإن إعطائه العنوان لا يكفي. يجب تحديد زمن معين يحدث فيه اللقاء. بعدّي المكان والزمن (الزمكان) يؤدي لتحديد موعد محدد لحدث اللقاء. إذاً المكان والزمان هما متغيرين أساسيين لوقوع حدث ما في الكون. غياب أحد هذين البعدين يجعل من عملية تحديد الحدث بشكل دقيق أمر مستحيل.

بعض الأحيان نسمع مصطلح أفق الحدث عند الحديث عن الثقوب السوداء. أفق الحدث هو النقطة التي يصبح فيها انحناء المكان أقصى من أن يستطيع الضوء المرور من خلاله. الآن عندما نقول سرعة الضوء فإنه في الواقع لا يوجد شيء اسمه سرعة الضوء وإنما سرعة السببية. سرعة السببية هي السرعة القصوى في الكون التي ممكن لأي معلومة الانتقال ضمنها. الضوء (الفوتونات) من أحد الظواهر الفيزيائية التي تستغل السرعة القصوى للسببية لكن بسبب أهمية الضوء بالنسبة للإنسان نطلق اسم سرعة الضوء على سرعة السببية. مثلاً الجاذبية سرعتها ليست بسرعة الضوء وإنما الجاذبية والضوء بسرعة السببية.

السببية التي نشعر بها نحن البشر ونمارسها في حياتنا اليومية ونعتبرها جزء أساسي من الكون تختفي عندما نغوص في عالم الذرة ونبحث في تفاعلات الفيزياء الكمية. ضمن المقال سنجد أن مبدأ السببية الزمنية يصبح ضبابي في أضعف تقدير أو ربما غير موجود. أعلم أن تقبل هذه الفكرة سيكون صعب لأنها تخالف كل ما نعرفه من تجارب يومية إلا أنه يجدر الذكر أن الإنسان يفقد قدرته على فهم الفيزياء الكمية بشكل غريزي في الشهور الأولى بعد الولادة. التجارب تشير على أن الأطفال في شهورهم الأولى يتوقعون السببية كجزء أساسي من التفاعلات الفيزيائية التي حولهم فعندما نخالف مبدأ السببية في تجربة ما تظهر علامات الاستغراب لديهم. الإنسان وجميع الكائنات تفترض وجود السببية من حولها وذلك لأن السببية تبدو واقعية على مستوى حجمها (حجم متوسط ليس ذري وليس كوني) ولأن هذه الكائنات تطورت على البقاء وليس فهم الكون على المستوى الذري.

Double- Slit Experiment :
حسناً لنأخذ الموضوع خطوة خطوة قصتنا تبدأ عند تجربة فيزيائية شهيرة جداً تسمى تجربة شقي يونغ. تخيل أنه لدينا بندقية تستطيع إطلاق كرات صغيرة ملونة بشكل مستمر. هذه الكرات الملونة ستصبغ الجسم الذي تصطدم به عند التماس. الآن نضع حائط أمام هذه البندقية وضمن هذا الحائط يوجد شق طولي على نفس مسافة ارتفاع الحائط. الآن نضع شاشة بيضاء خلف الحائط لاستقبال الكرات الصغيرة الملونة في حال أنها مرت من خلال الشق الموجود في الحائط.

نبدأ إطلاق الكرات الملونة عبر الشق الموجود في الجدار وكما هو متوقع نجد أن خط طولي بدأ بالتشكل على الشاشة البيضاء المتواجدة خلف الحائط. هذا الخط متوازي تماماً مع الشق الموجود في الحائط إذ أن الكرات الملونة تمر من خلال الشق وترتطم بالشاشة البيضاء وهكذا تشكل الخط الطولي.
إلى حد الآن كل شيء منطقي ولا يوجد داع للاهتمام. الآن نضع فتحة ثانية في الجدار فيصبح لدينا شقين طولين متوازيين على الجدار (أشبه برقم ١١ على الجدار). نبدأ بإطلاق الكرات الملونة من خلال الفتحتين المتواجدتين على الجدار. الشكل الجديد هو أيضاً خطين طولين متوازيين تماماً (أشبه برقم ١١ أيضاً).

أود منك أن تضع هذه التجربة جانباً سنعود إليها قريباً.

التداخل الموجي:

على فرض أننا رمينا حجر في الماء فسينتج موجة صغيرة تنطلق من نقطة سقوط الحجر في الماء. هذه الموجة تنتقل بشكل دائري في جميع الاتجاهات. الأن إن رمينا حجرين في الماء فإن الأمواج الناتجة عن سقوطهما ستبدآن بشكل دائري إلى أن تتفاوت مع بعضها البعض فيحدث ما يسمى تداخل موجي.

الآن لنعود لتجربة الحائط المفتوح من شقين عاموديين.

سنستبدل البندقية التي تطلق الطابات الملونة ونحضر حوض ماء كبير على شكل مستطيل. إذا أسقطنا حجر في الماء فأن موجة ستنتج عن الحجر وتتجه باتجاه الحائط. إذا كان الحائط ذو فتحة واحدة فإن الموجة ستمر من الفتحة وتشكل موجة جديدة. هذه الموجة الجديدة سيتم رصدها من قبل الشاشة البيضاء عند أول نقطة تماس بين الموجة وبين الشاشة.

الآن سنضع الحائط ذو الفتحتين العامودية في منتصف الحوض ثم سنقوم بوضع الشاشة البيضاء في نهاية الحوض. نقوم بإسقاط حجر في طرف الحوض لكي تتشكل لدينا موجة. تتجه الموجة باتجاه الفتحات الموجودة على الحائط. بعد مرور الموجة من فتحات الحائط يتشكل لدينا تداخل موجي بسبب مرور الموجة من فتحتي الحائط وثم التقائهم من جديد بعد الخروج من فتحات الحائط. الشاشة البيضاء ترصد تماس الأمواج عليها وتؤكد وجود تداخل موجي بحيث نجد خطوط عامودية على كامل مساحة الشاشة البيضاء وليس فقط خلف فتحتي الحائط.

(أنصح بمشاهدة الفيديو المرفق لتوضيح هذه النقطة).
https://www.youtube.com/watch?v=W21CqWp52gs

ملخص التجربة حتى الآن:

اطلاق كرات ملونة عبر فتحتي الحائط يرسم شكل خطين عامودين متوازيين على الشاشة تماماً خلف مكان الفتحات في الحائط.
بينما إطلاق أمواج عبر فتحات الحائط يرسم عدة خطوط عامودية متوازية لكن على اتساع الشاشة البيضاء وليس خلف الفتحات فقط. هذا يعني أننا عندما نرصد خطين فقط فهذا يعني أن الكيان الذي مر من خلال فتحات الحائط هو كيان غير موجي أشبه بالكرة (جسيم) بينما وجود خطوط عدة على مساحة   الشاشة يعني أن الكيان الذي مر من الفتحات هو كيان موجي.

بقول آخر حتى وإن لم نشاهد لحظة إطلاق الكيان من خلال فتحات الحائط وفقط رصدنا ما يحدث على الشاشة البيضاء فبمقدورنا استنتاج نوع الكيان الذي مر من الفتحات. من خلال تحليل نوع الخطوط المرسومة على الشاشة البيضاء (خطين) يعني أننا أطلقنا كرات عبر الفتحات بينما عدة خطوط على اتساع الشاشة يعني تراكب موجي وبالتالي كيان موجي قد مر.

من المعلوم أن الضوء له خاصية ازدواجية حيث يكون جسيم وموجة في نفس الوقت فيأخذ شكل الموجة أو الجسيم بناء على نوع التفاعل الذي يحصل له. للبحث أكثر عن هذا المحور انظر (ازدواجية موجة – جسيم).

خلال تنفيذ تجربة شقي يونغ لاحظ العلماء أن تسليط الضوء من خلال الحائط ذو الفتحة الواحدة يعكس خطاً واحداً خلف الحائط على شاشة الرصد مما يدل على أن الضوء يمر من خلال الفتحة بشكل جسيمات (كرات) وليس بشكل موجي. لكن عندما نسلط الضوء على الحائط ذو الفتحتين نحن نتوقع تشكل خطين ضوئيين خلف الحائط على شاشة الرصد إلا أننا نجد عدة خطوط على امتداد شاشة الرصد.

هذا يعني ان الضوء لم يمر من الفتحات على شكل جسيمات وإنما مر على شكل أمواج وذلك بسبب رصدنا لشكل التداخل الموجي على شاشة الرصد كما ذكرت سابقاً. للتأكد أن شكل التراكب الموجي الذي يتم رصده على الشاشة البيضاء ليس سببه ارتطام الجسيمات بعد مرورها من الفتحات قام الباحثون بإطلاق الكترون وحيد كل مرة. هذا يعني أن كل عملية إطلاق ينتج عنها إلكترون واحد يمر من خلال الفتحات الموجودة في الحائط.
بعد عدة اطلاقات ُيتوقع أن يظهر خطين خلف الفتحات التي مرت منها الإلكترونات. لكن بعد مئات الإلكترونات التي أُطلقت بشكل أحادي نجد أن خطوط التراكب الموجي قد ظهرت على شاشة الرصد.

نحن نطلق الإلكترونات واحدة واحدة وهذا يعني أنه حتى وإن كان الإلكترون موجي فهو لوحده ونحن نطلق هذه الإلكترونات بفترات زمنية متفرقة مما يلغي احتمال تراكب موجي بين إلكترونين في نفس الوقت. هذا يعني أنه لا يجب أن يتشكل تراكب موجي لأن التراكب الموجي يستوجب وجود موجتين. الاستنتاج الوحيد لهذا الرصد أن الإلكترون بحالته الموجية مر من الشقين بنفس الوقت وثم خرج في الطرف الآخر على شكل موجتين متراكبتين . هذا الإلكترون الذي يتحول لموجتين هو ما يؤدي إلى رصد التراكب الموجي على شاشة الرصد. الإلكترون يتحول لموجة من جميع الاحتمالات الممكنة ويمر من كلا الفتحتين بدليل تشكل التراكب الموجي على شاشة الرصد الموجودة خلف الجدار ذو الشقين. على الرغم من غرابة ما نرصده إلا أننا ممكن أن نقول أن هذه الظاهرة مجرد خاصية غريبة من خاصيات الضوء. غرابة الفيزياء الكمية تأتي فيما سأطرحه لاحقاً.

الباحثون لم يقبلوا بهذه النتيجة إذ أنها تنافي المنطق وتنافي الفيزياء كما كنا نفهمها. لهذا قاموا بوضع أداة رصد لمعرفة أي الفتحتين يمر منها الإلكترون بالفعل. رصد الفتحة التي يمر منها الإلكترون سيفسر كيف ممكن أن يمر الإلكترون من الفتحتين بنفس الوقت فإما يمر من الفتحة اليمنى أو اليسرى وإن تم رصد الإلكترون في الفتحتين فكيف هذا ونحن أطلقنا إلكترون وحيد؟

لتوضيح غرابة هذه النقطة دعنا نعود لمثال الكرات الملونة قليلاً. تخيل أنك تطلق كرات حمراء باتجاه الحائط ذو الفتحتين. تتوقع مرور الكرة وارتطامها مباشرة خلف الفتحة على شاشة الرصد. ما يحدث هنا أن الكرة تتحول إلى كرتين ضمن لحالة موجية تمر من خلال الفتحتين معاً. بعد المرور من الشقين معاً يتشكل تراكب موجي على شاشة الرصد بسبب ارتطام الموجتين مع بعضها البعض.

نحن نريد أن نعرف من أي الشقين يمر الإلكترون بالفعل. عند وضع جهاز الرصد قبل الحائط ذو الشقين لرصد أي الفتحتين سيمر منها الإلكترون يتوقف الإلكترون عن التصرف كموجة ويمر من واحدة فقط. فجأة الإلكترون يتصرف كجسيم وحيد يمر من إحدى الشقين تماماً كما نتوقع ويشكل خط واحد على شاشة الرصد. في حال توقفنا عن الرصد يعود الإلكترون ليتصرف كموجتين ليظهر لدينا شكل الخطوط التي تدل على تراكب موجي.
الإلكترون يبدل حالته بناء على رصدنا له.

إذا قمنا بالرصد يتصرف على أساس جسيم وإن لم نرصده يتصرف على أساس موجة. يعني وكأن الإلكترون يعرف أننا نراقبه فيتصرف على أساس جسيم ليمر من إحدى فتحات الحائط أو يعرف أننا لا نرصده فيتصرف كموجة تمر من شقي الحائط في نفس الوقت.

نعم هذا غريب جداً وهو نواة الفيزياء الكمية لكن الموضوع سيصبح أكثر غرابة بعد قليل. نحن في الواقع وحتى الآن نتحدث عن رصد الإلكترون قبل الوصول إلى فتحات الحائط فيتصرف على أساسها لكن قرر العلماء أن يضعوا جهاز الرصد بعد الحائط (بين الحائط وبين جهاز الرصد). هذا لا يستطيع الإلكترون أن يقرر كونه موجة أو جسيم إلا بعد تجاوز حائط الشقين. الغريب في الموضوع أن الإلكترون أيضاً يغير ماهيته بناء على رصدنا له أو عدمه حتى بعد أن عبر وهذا يعني أنه يعود بالزمن إلى الوراء فيغير حالته قبل الدخول من فتحات الحائط.

نحن نرصده بعد وقوع “حدث” الدخول من فتحات الحائط لكنه يعود إلى الوراء ويتصرف بناء على رصدنا له أو عدمه. يغير ماهية الدخول بعد أن تم ذلك بالفعل.

لتوضيح الفكرة تخيل أنك تريد الدخول إلى مطعم ويجب عليك أن تحمل رقم معين لكي تحصل على إذن بالجلوس. على فرض أنه يوجد خيارين من الأرقام إما ٢ أو  ٨ لكنك لا تعرف ما هو الرقم الذي اختاره مدير المطعم اليوم. يمكنك اختيار الرقم فقط قبل الدخول وأن تتأمل أن يكون هو الرقم المناسب. الذي يجري هنا أنك بعد دخولك المطعم ومعرفة الرقم تعود بالزمن إلى الوراء وتختار الرقم المناسب لكي تحصل على طاولة وتتناول عشاءك.

بعد هذا الاكتشاف المذهل قام العلماء بتجربة جديدة تسمى “الخيار المؤجل” والتي تفحص كيف يستطيع الفوتون أن يؤجل قراره بأن يكون جسيم أو موجة بناء على رصدنا له. متى قرر الفوتون الضوئي أن يتصرف كموجة أو جسيم؟ كيف يستطيع أن يغير ماهيته بعد وقوع الحدث؟ هل ما يحدث هنا هو Delayed Choice Quantum Eraserارسال معلومات بعكس سهم الزمن؟ *

فيديو حول تجربة الخيار المؤجل:
https://youtu.be/7F3oqrwXLw8

فيديو حول كيفية تنفيذ تجربة الممحاة الكمية:
https://www.youtube.com/watch?v=8ORLN_KwAgs

تجربة الخيار المؤجل تهدف لرصد الفوتون بعد مروره من فتحات الحائط لكن حذف هذه المعلومة قبل أن نرصد نحن نتيجة هذا المرور على شاشة الرصد بحيث تبقى معلومة أي الفتحات التي مر منها الفوتون مجهولة بالنسبة لنا لكنها مرصودة من قبل الراصد الموجود بعد الفتحات.
الشيء المهم بهذه التجربة أننا نمتلك الخيار بحذف أو الإبقاء على معلومة دخول الفوتون بعد دخوله ووصله لشاشة الرصد.

هذا يعني أننا نستطيع تغير ماهية الفوتون بعد مروره فقط عن طريق الاطلاع على معلومات الرصد أو حذف هذه المعلومات.

قبل الخوض أكثر أود أن أوضح نقطة هامة يتم استغلالها من قبل مروجي العلوم الزائفة وهي أن عملية الرصد والاطلاع على المعلومات ليست مرتبطة بكون الإنسان هو من يرصد أو لا. عملية الرصد هي عملية تفاعل فيزيائية لا تختلف إن كان عالم من يقوم بها أو جهاز رصد. عملية الرصد هي ما يؤثر على الحالة الموجية فتتحول إلى حالة جسيمية. عندما يكون الجسيم في حالته الموجية (قبل الرصد) هو عبارة عن موجة من الاحتمالات القائمة في نفس الوقت وفقط عملية الرصد هي ما يؤدي لانهيار هذه الخيارات إلى خيار واحد نقوم نحن برصده. هذه الفكرة تحتاج المزيد من التعقيب لكنها ليست محورية في موضوع السببية لهذا فقط ذكرتها للتنبه لها وعدم الانسياق خلف فرضيات الإدراك الكوني وغيرها من الخزعبلات الكمية التي يتم ترويجها هنا وهناك.

إذاً أي محاولة من قبلنا لمعرفة الفتحة التي مر منها الضوء يلغي شكل التراكب الموجي وأي محاولة منا في عدم معرفة أي الفتحات مر منها الضوء يؤدي إلى تشكل التراكب الموجي على شاشة الرصد. الفكرة اشبه بوجود قانون كوني يمنعنا من معرفة الفتحة التي مر منها الضوء إذا كان بشكله الموجي فإن وضعنا أجهزة رصد ترصد مكان عبور الضوء بعد مرروه يقول الكون للضوء “صديقي لقد تم معرفة أي الفتحات التي مررت بها وأنت بحالتك الموجية وهذا مخالف للقانون. عد إلى الوراء وتحول إلى جسيم ولا تتصرف على أساس موجي” وإن كنا نجهل مكان العبور يقول الكون “حسناً يا ضوء لا تتصرف كجسيم وحافظ على حالتك الموجية لأن معلومة من أي الفتحات دخلت ليست معلومة من قبل أحد”.

لتجربة عندما نضع جهاز الرصد قبل الفتحات تسمى (أي الفتحات مر منها الضوء؟) والتجربة التي نضع فيها جهاز الرصد بعد الفتحات تسمى (القرار المؤجل). تجربة القرار المؤجل تعني أننا نستطيع التأثير على الحدث بعد حدوثه ووجود تراكب موجي عن عدمه على شاشة الرصد يعتمد على حالة المعلومات حول أي الفتحات عبر منها الضوء. لن أدخل هنا بألية عمل التجربة إذ أنه من الأفضل مشاهدة الفيديوهات على اليوتيوب حول كيفية عملها لكن لنتفق أننا نتملك ألية تمكننا من تدمير معلومة من أي الفتحات دخل الضوء بعد دخول الضوء أي بعد وقوع الحدث وبالتالي قرار تدمير المعلومات أو عدمه يؤثر على ماهية الضوء بعد مروره من الفتحات.

ألية الرصد التي تقع خلف الفتحات تسمى الممحاة الكمية بحكم أنها تستطيع تدمير معلومة من أي الفتحات قد عبر الضوء فإن قمنا بتدمير المعلومة ظهر لدينا تراكب موجي وإن قمنا بالاطلاع على المعلومة ظهر لدينا شكل خطي. لكن هذا بعد أن وقع الحدث.

هنا نجد أن السببية الكلاسيكية التي تعتمد على وقوع الحدث كنتيجة لحدث آخر حصل قبله تنهار.

الحدث الأول زمنياً: هو مرور الضوء عبر الفتحتين. يوجد خيارين هنا إما دخول موجي أو جسيمي بناء على حالة الرصد.
الحدث الثاني زمنياً: هو رصد مرور الضوء بعد مروره أي بعد وقوع الحدث الأول.

كيفية انجاز الحدث الثاني يغير من ماهية الحدث الأول وبالتالي نجد انهيار مبدأ أن مسبب الفعل يسبقه دائماً. هذا يعني أننا لو تحولنا إلى المستوى الكمي وأردنا فتح الباب فإن دفة الباب ستتحرك وبعدها سندفع الباب.

هذه التجربة لا تنفي وجود مسبب للفعل لكنها ترفع الحصانة عن ارتباط السببية بسهم الزمن. هذا يعني أن التعريف الصحيح للمسبب هو حدث ينتج عنه حدث آخر بغض النظر أيهما حدث أولاً. الفيزياء الكمية تأخذنا إلى استنتاجات غير مريحة في أضعف تقدير حيث أن دماغنا غير قادر على فصل عامل الزمن عن السببية، لكن يوجد أبحاث جديدة لم أتطرق إليها ضمن المقال تضع المكان كحالة من التشابك الكمي المرهون بخصائص مشابهة لعملية رصد الفوتون الضوئي. عملية انهيار الموجة إلى جسيم سببها هو وجود حالة رصد لهذه الموجة. التوجه الجديد حول المكان أنه عبارة عن ترابط كمي كبير يتواجد بسبب تفاعل (رصد) هذه الجسيمات مع بعضها البعض. هذا الطرح لا يزال قيد البحث والنقاش ولست في صدد طرحه بشكل جدّي بعد. لكن على فرض أن هذا الطرح تطور ليأخذ حيز أكثر جدية فإننا نعلم أن الزمن عبارة عن انبثاق عن المكان إذ أن الزمن لا يمكن أن يوجد دون مكان والمكان لا يمكن أن يوجد دون زمن. في النهاية هذه مواضيع طرح جديدة على حدود أفاقنا المعرفية ولكن لا شك أننا بدأنا نطرق أبواب ستغير فهمنا الفيزيائي للكون بشكل جذري.

تنويه: يوجد عدة أنواع لتجربة الممحاة الكمية واقترح البحث عنها ومشاهدة بعض ملفات الفيديو التي تشرح هذه التجارب بشكل مفصل. أنا لم أخوض في تفصيل هذه التجارب لصعوبة توصيف الخطوات بشكل كتابي لكن من المهم الاطلاع عليها لفهم الفكرة من المقال.

فكرة للتأمل:

تخيل ضوء قادم إلينا من مسافات تقدر بملايين السنين الضوئية. هذا الضوء ينحني حول جسم هائل الكتلة (مجرة، ثقب أسود هائل، الخ) في طريقه إلينا. نحن قمنا برصد هذا الضوء القادم من بعيد مما يغير من ماهيته الموجية ويحوله من حالته الموجية إلى حالته الجسيمية. هذا الضوء في حالته الجسيمية إما يعبر من يمين المجرة أو من يسارها أو ينقسم يمين ويسار ثم يندمج من جديد. لكن أي خيار اتخذه هذا الضوء في مساره يحدث في لحظة رصدنا له لأنه قبل الرصد كان كل هذه الخيارات في أن واحد حيث كان في حالته الموجية. تخيل أن رصدنا لحادثة كونية في هذه اللحظة يغير كيف حدثت قبل مليارات السنين.  هذا تمرين فكري ولم يتم اجراء تجربة حول هذا النوع من الرصد لكنه لا يخالف مبدأ السببية المذكور في المقال.

 

مراجع:

The Quantum Eraser, Persistence of Information and the Delayed Choice Experiments
by Shantena Augusto Sabbadini in Dialogues, Quantum Physics
https://www.scienceandnonduality.com/the-quantum-eraser-persistence-of-information-and-the-delayed-choice-experiments/ 

Double-Slit Science: How Light Can Be Both a Particle and a Wave
Learn how light can be two things at once with this illuminating experiment
By Education.com, Mack Levine on December 12, 2013
https://www.scientificamerican.com/article/bring-science-home-light-wave-particle/

ExperimentalRealization of Wheeler’s Delayed-Choice Gedanken Experiment
Vincent Jacques, E Wu, FrédéricGrosshans,François Treussart, Philippe Grangier, Alain Aspect, Jean-François
http://science.sciencemag.org/content/315/5814/966

A Delayed Choice Quantum Eraser
Yoon-Ho Kim, R. Yu, S.P. Kulik, Y.H. Shih, Marlan .O. Scully (Submitted on 13 Mar 1999)
https://arxiv.org/abs/quant-ph/9903047

Using Causality to Solve the Puzzle of Quantum Spacetime
A new approach to the decades-old problem of quantum gravity goes back to basics and showshow the building blocks of space and time pull themselves together
By Jerzy Jurkiewicz, Renate Loll, Jan Ambjorn on July 1, 2008
https://www.scientificamerican.com/article/the-self-organizing-quantum-universe/

مصطفى عابدين

مصطفى عابدين

مؤسس ومدير محتوى موقع علومي. باحث مهتم بالعلوم ويسعى إلى تبسيطها ونشرها.

3 تعليقات

انقر هنا لتضع تعليق

تعليق